ومن ثم نشأت نظرية قيام المجتمع على أساس المحسوس والمعقول وحدهما، وإنكار ما سوى ذلك من دين وغيبيات ووحي ورسالات سماء، واعتبار ذلك كله من الوهم الذي يغرق فيه الجهلاء. (ولندع الجانب الفلسفي حتى نصل إليه) أما العلم فقد تبين له بعدما قطع أشواطًا طويلة أنه ليس قادرًا على الإجابة على كثير من الأسئلة، وخاصة معرفة كنه الأشياء ومصادرها وغاياتها، ومن ثم فقد تقرر بصورة عامة أن العلم لا يفسر الأشياء، ولا يعللها، ولكنه يصفها ويقررها، فمهمة العلم قاصرة على وصف الظواهر وتقريرها، وبذلك خفف العلم من غلواء النظرة الأولى التي كانت في أذهان الأوائل، وهي تفسير الوجود بحيث يصبح ###96### العلم هو المنهج الوحيد للمعرفة، سواء في مجال العلوم الطبيعية والرياضية أو مجال الإنسانية، وتخلى العلم عن الإجابة عن"لماذا"بعد أن تبين لهم عبث هذه المحاولات وعقم نتائجها، وترك العلم للفلسفة مهمة البحث عن العلل النهائية للوجود بعد أن عجز في هذا المضمار، ولم يسفر بحثه عن شيء.
وقرر العلماء أن العلم إنما يقدم مجموعة من الفروض الظنية لتفسير الطبيعة، وأن هذه الفروض تتحول بالتجربة إلى قوانين، كما قرر العلماء أن العلم لا يفسر شيئًا، وإنما هو يربط وينسف ويلاحظ ملاحظة منهجية، وبالتالي يصف ويقرر، وليس هذا فهمًا للأشياء، ولكنه تعرف عليها، ويقرر العلماء أن العلمية تقتصر على ظواهر الطبيعة، وأعمال البشر وعلاقاتهم التي يمكن أن تستخدم المشاهدة والتجربة لاكتشاف قوانينها، ومن ثم فقد وصل العلم إلى تقرير أن العقل البشري لا يستطيع أن يدرك شيئًا إلا عن طريق الحواس، ولذلك فكل ما يقف وراء الحس والعقل، فلا يمكن للعلم أن يبحث فيه، أو يعرف عنه شيئًا، كذلك فقد تقرر أن حقائق العلم ليست مطلقة ولا أبدية، بل هي تقرر الحقيقة النسبية، وما يزال للبحث العلمي صراع بين الإنسان والطبيعة.