وقد حال ذلك كله دون أن تضع العلم في موضعه الصحيح الذي رسمه له الإسلام، أو الدين بعامة، فكان ###94### أن تقدمت أوروبا في مجال العلم التجريبي، وانحرفت في مجال الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي على النحو الذي أسلمها من الفلسفة المثالية إلى الفلسفة المادية التي يعيش فيها الغرب في هذا القرن حياته كلها، وقد كان ذلك أثره على اتجاه العلم ومنتجاته وآثاره وخططه في المجتمع والحضارة، وتلك هي أزمة العلم والحضارة.
ثانيًا: عندما بدأ العلم يقدم اكتشافاته، وقع الصدام بينه وبين رجال الدين، فقد كانت الكتب القديمة، قد وضعت مقررات عن الطبيعة والأرض والزمان، اختلفت مع ما حاول العلم أن يثبته.
وقد انتهى هذا الصراع بموقف عداء مع رجال الدين ومع الدين نفسه، وفي هذه المراحل استعلى العلم بكشوفه، وحاول أن يشق طريقه بعيدًا عن الدين، فظهرت مفاهيم مختلفة منها الدين البشري والإلحاد والخصومة بين العلم والدين.
غير أن العلم الذي أصابه الغرور الشديد حين أعلى مفاهيم المادة والعقل، وأنكر الجوانب الأخرى في الحياة الإنسانية كالروحية والغيب والوحي والدين، قد شق طريقًا صعبًا يتمثل واضحًا في كتابات أرنست رينان، وهربرت ###95### سبنسر، وغيرهم من الفلاسفة لا العلماء.
فقد حاول هؤلاء بالإضافة إلى بخز وغيره تفسير الحياة تفسيرًا ماديًا صرفًا، وبلغ الإيمان بالعلم درجة كبرى حتى وصفه أرنست رينان في كتابه"مستقبل العلم"بأنه سينقذ الإنسانية وأن العصر الذي يسود فيه العقل، وتصل فيه الإنسانية إلى الكمال آت لا ريب فيه. ومن ثم قام مفهوم مسيطر هو أن العلم كل شيء، ولا شيء غيره، وأنه هو الذي ينظم المعرفة على اختلاف أنواعها.