فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 20

سادسًا: إن العلم من خلال تجربته ومعامله ومقاييسه لم يتعرض للقول بمادية الكون، ولكنه قال: إنه يجهل ما وراء الطبيعة، ولم يتعرض للقول بأن الحياة صدفة، وما كان له أن يقول، وهو يرى دقة التركيب والتوقيت، ولكنه قال من واقع معامله وتجربته: إنه يجهل الإجابة عن سؤال لماذا، ومن أين جاء، وإلى أين يتجه؟ وتلك حدود العلم، أما الذي حاولوا أن يقتحموا الفراغ الذي توقف عنده العلم بحكم وظيفته المحدودة وأدواته القاصرة، الذين حاولوا أن يقتحموا هذا الفراغ إنما هم الفلاسفة الذين قدسوا العلم والعقل، وأصروا على أنه لا توجد وراءهما وسائل للمعرفة، وعجزوا وأنكروا وسيلة المعرفة الأولى والكبرى التي جاءت منذ عرف الإنسان وجوده على الأرض، وهي وسيلة الوحي والنبوة والرسالة، وكتب الله ومنهج الله وآياته، فقد قدم الحق تبارك وتعالى للبشرية منهجًا كاملا لهذا الجانب الذي يسمى عالم الغيب، والذي يطلق عليه اسم الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة، قدمه للإنسان من خلال كتبه ورسله، حتى لا يشغل الإنسان عقله بالبحث عنه، والعقل أعجز من أن يصل إليه دون عون من الوحي الرباني، وحكمة ذلك أن ###127### تطمئن النفس الإنسانية لهذه المعرفة عن الغيب، فتتجه إلى المعرفة المادية التي وجد العقل فعلا للعمل فيها، وهي اكتشاف قوانين الطبيعة والمادة والإفادة منهما في بناء الحياة وعمران الكون وأداء رسالة الإنسان المستخلف في الأرض بإذن ربه، ولكن الإنسان الغربي حين أزاح عن نفسه تفسيرات الأديان التي لم تقدم له هذه الحقائق، ولم يكلف نفسه أن يبحث عن الدين الحق، وفيه منهج كامل للميتافيزيقا، فحاول أن يجتهد، أما العلم فقد توقف عند قدراته وأدواته، وأما الفلاسفة فقد اندفعوا ليسدوا الثغرة بالعجز المتمثل في القول بأن كل ما ليس تحت السمع والبصر، فهو ليس موجودًا، ومن ثم فلا حكمة لديهم في خلق الكون والإنسان فهي المصادفة العمياء، وإذن فلا غائية، ولا بعث ولا هدف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت