مجاعة وقتل الآخرين [1] .
وكان مجاعة بن مرارة سيدًا في بني حنيفة، فكان خالد كلما نزل منزلًا واستقر به، دعا مُجاعة فأكل معه وحدثه، فقال له ذات يوم: أخبرني عن صاحبك -يعني مسيلمة- ما الذي يقرأكم؟ هل تحفظ منه شيئًا؟ قال نعم: فذكر له شيئًا من رجزه، فقام خالد وضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: يا معشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن، ثم قال: ويحك يا مجاعة، أراك رجلًا سيدًا عاقلًا اسمع إلى كتاب الله عزّ وجلّ، ثم انظر كيف عارضه عدو الله، فقرأ عليه خالد {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} فقال مجاعة: أما إن رجلا من أهل البحرين كان يكتب، أدناه مسيلمة وقرّبه حتى لم يكن يُعدّ له في القُرْب عنده أحد، فكان يخرج إلينا فيقول: ويحكم يا أهل اليمامة، صاحبكم والله كذّاب، وما أظنكم تتهموني عليه، إنكم لترون منزلتي عنده وحالي، هو والله يكذبكم وبايعكم على الباطل، قال خالد: فما فعل ذلك البحراني، قال: هرب منه، كان لا يزال يقول هذا القول حتى بلغه فخافه على نفسه، فهرب، فلحق بالبحرين، قال خالد: هات زدنا من كذب الخبيث، فقال مجاعة بعض رجز مسيلمة، فقال خالد: وهذا كان عندكم حقًا، وكنتم تصدقونه؟ قال مجاعة: لو لم يكن عندنا حقا لما لقيتك غدًا أكثر من عشرة ألف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل، قال خالد: إذًا يكفيناكم الله ويعز دينه، فإياه يقاتلون، ودينه يريدون [2] .
ولما توجه الجيشان قال مسيلمة لأتباعه وقومه قبيل المعركة الفاصلة: اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيّات، وينكحن غير حظيات، فقاتلوا على أحسابكم، وامنعوا خالد بن الوليد.
وحدث القتال وهم المرتدون بقتل أم تميم، حتى أجارها مجّاعة وقال: نعمت الحرة هذه، ثم تذامر الصحابة بينهم وقال ثابت بن قيس بن شماس: لبئس ما عودتم أقرانكم، ونادوا من كل جانب: أخلصنا يا خالد، فخلصت ثلة من المهاجرين والأنصار وحَميَ وقاتلت بنو حنيفة قتالًا لم يعهد مثله، ... وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم، وسار لقتال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز وقال: أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد، ثم نادى بشعار المسلمين-وكان شعارهم يومئذ يا محمداه- وجعل لا يبرز له أحد إلا قتله، وقد ميز خالد المهاجرين، من الأنصار، من الأعراب، وكل بني أب على رايتهم، يقاتلون تحتها، حتى يعرف الناس من أين يؤتون، ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم، وولّى الكفار الأدبار، حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت، وقد أشار عليهم مُحَكَّم اليمامة- وهو محَكّم بن الطفيل لعنه الله- بدخولها، فدخلوها وفيها عدو الله مسيلمة لعنه الله، أغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم، وأحاط بهم
(1) تاريخ الطبري (4/ 106) ؛ الصديق أول الخلفاء، ص105.
(2) حروب الردة، ص82.