أضع سلاحي أبدًا, فلم يزالوا به حتى وضع سلاحه، فلما وُضع السلاح أمر بهم خالد فكتفوا، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ فيهم أسرًا وقتلًا، فأنكر عليه بعض أصحابه ذلك، ثم دفع الأسرى إلى من كان معه، حتى إذا أصبح يومًا أمر خالد أن يقتل كل واحد أسيره، فامتثل البعض، وامتنع عبد الله بن عمر وامتنع معه آخرون من قتل
سراهم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه، فغضب
ورفع يديه إلى السماء قائلا:"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فودى لهم قتلاهم وزادهم فيها تطييبًا لنفوسهم وبراءة من
دمائهم, وبهذا التصرف النبوي الحكيم واسى النبي - رضي الله عنه - بني جذيمة، وأزال ما في نفوسهم من أسى وحزن وكان قتل خالد لبني جذيمة تأولا منه واجتهادًا خاطئًا, وذلك بدليل أن الرسول - رضي الله عنه - لم يعاقبه على فعله." [1] .انتهى"
ويستفاد من ما جرى من أحداث في سرية بني جذيمة ما يلي:
تضاربت الروايات حول ما جرى في حداثة بني جذيمة فمن الرواة من شرّق ومنهم من غرب وغالب هذه الروايات إن لم يكن جميعها كانت مضطربة أو في سندها راو كاذب أو في متنها شذوذ ولا مجال لذكرها في هذا الموضوع الموجز [2] ,أمّا الرواية الحقيقة الصحيحة التي لا اضطراب فيها وسندها مضيء كالشمس فهي الرواية الآتية:
".. عن سالم عن ابنِ عمرَ: .. قال: بَعثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - خالدَ بن الوليد إلى بني جذَيمة، فلم يُحسنوا أن يقولوا أسلمنا» فقالوا: «صَبَأنا صبأنا» فجعل خالد يقتل ويأسرُ، ودفع إلى كل رجل منا أسيرَهُ، فأمر كلَّ رجلٍ منا أن يقتُلَ أسيرَه, فقلت: واللهَ لا أقتلُ أسيري و لا يقتل رجلٌ من أصحابي أسيرَه، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهمَّ إني أبرَأ إليكَ مما صَنَعَ خالدُ بن الوليد. مرَّتين» [3] .انتهى"
فهذه الرواية من ناحية السند والمتن صحيحة وغير مضطربة وجميع رواتها ثقات ووردت هذه الرواية في صحيح بخاري وأخرجها أحمد في مسنده والنسائي أيضًا بنفس معنى وتفاصيل الحادثة, ويكفي ورود هذه الرواية في صحيح بخاري حتى تطمئن لها النفوس وتقبلها القلوب والعقول, وقد رويت هذه الرواية من طريق ابن عمر - رضي الله عنه - الذي كان أحد جنود هذه السرية وروايته للحداثة تعتبر أقوى رواية لأنّه شهد وسمع ما جرى في بني جذيمة.
(1) انظر السيرة النبوية وقفات وعظات ج2 ص 517 - 518
(2) ومن أراد أن يطلع عليها وعلى نقدها فليقرأ كتاب خالد بن الوليد لصادق عرجون
(3) أخرجه بخاري في صحيحه , كتاب الأحكام الرواية رقم 7030