الصفحة 13 من 97

إني رأيت الله قد أهانك, ثم رجع خالد وأصحابه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقدم تقريره بإنجاز المهمة، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - استدرك على قائد السرية وقال له:"هل رأيت شيئًا؟"قال: لا فقال:"ارجع فإنك لم تصنع شيئا"فرجع خالد وهو مغيظ حنق على عدم إنهاء مهمته على الوجه المطلوب، فلما وصل إليها ونظرت السدنة إليه عرفوا أنه جاء هذه المرة ليكمل ما فاته في المرة السابقة, فهربوا إلى الجبل وهم يصيحون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه, فأتاه خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراث على رأسها، فتقدم إليها خالد - رضي الله عنه - بشجاعته المعروفة وضربها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك فقال:"تلك هي العزى [1] ". [2] انتهى

قلت إنّ إرسال الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - خالدًا لهدم العزى ونجاح خالد بن الوليد - رضي الله عنه - في ذلك ما هو إلا دليل آخر على صدق إيمان خالد - رضي الله عنه - فالعزّى من أعظم آلهة قريش التي كانت يعبدونها من دون الله قبل الإسلام وكانت للعّزى مكانة عظمية عند كفار قريش ومنهم خالد بن الوليد قبل الإسلام ,وإن ذكر العزّى في القرآن الكريم إشارة واضحة إلى المكانة الكبيرة التي كانت تنالها قبل الإسلام, وخالد ابن الوليد بالأمس كان كافرًا يقدس العزّى ويعبدها مع قومه ويهدي لها الذبائح, وبعد فترة قصيرة من إسلامه أقل من سنة على الأرجح, قام خالد بهدم العزّى وقتل الشيطان (المرأة السوداء) دون تردد أو شك وقال كلمته الشهيرة كلمة التوحيد القاصمة للكفر التي خاطب فيها العزّى قائلًا"كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك"وهذا يدل على صدق خالد بن الوليد - رضي الله عنه - واستحكام الإيمان في قلبه, وكرهه للكفر والحمد لله الذي جعلنا ممن يحب خالدًا ويتقرب بحبه إلى الله - عز وجل -.

1 -3 - 4 - بعث خالد بن الوليد - رضي الله عنه - إلى بني جذيمة:

"بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيًا إلى الإسلام، وكان ذلك في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة قبل حنين, فلما رأى بنو جذيمة الجيش بقيادة خالد أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، فقام رجل منهم يسمى جحدرا فقال: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا"

(1) العُزَّى: بضم أوله في قوله تعالى: {أفرأيتم اللاّت والعُزّى} ؛ والعُزّى: سَمُرَةٌ كانت لغطفان يعبدونها وكانوا بنوا عليها بيتًا وأقاموا لها سدنة، وعبد العُزّى بن كعب من أقدم ما سمّت به العربُ، وكان الذي اتخذ العُزّى ظالم بن أسعد، وكانت بوادٍ من نخلة الشامية يقال له حُراض بازاء الغُمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، فبنى عليها بُسًّا، يريد بيتًا، وكانوا يسمعون فيه الصوت، وكانت العرب وقريش تسمّي بها عبد العُزّى، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقرّبون عندها بالذبائح. انتهى انظر معجم البلدان لياقوت الحموي باب العين والزاي وما يليها.

(2) انظر السيرة النبوية وقفات وعظات ج2 ص 519

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت