وهذا واضح في أن الجصاص الرازي رحمه الله يناقش الإمام الشافعي ـ إمام الأصوليين ـ بمقتضى تعريف المتأخرين من الأصوليين (( للبيان ) )؛ لأنهم عرفوه بأنه: (إخراج الشيء من حيز الإشكال إلي حيز التجلي) .
وهذا الاصطلاح الحادث بعد الإمام الشافعي رحمه الله لا يلزمه؛ إذ من البديهي جدًا أنه لم يقصد بوضعه (الرسالة) الجري على عرف المتأخرين في اصطلاحاتهم، بل لم توجد هذه الاصطلاحات في عصره.
ثم إنه من حيث اللغة لا يمكن دفع ما قاله الإمام الشافعي، رحمه الله، فإنه يقال لمن غيره على شئ بينه له، فكل ما يدل على شئ فهو بيان له، لذلك لما كان القرآن دالا للناس على طريقة الهداية والنجاة سماه الله بيانًا، فقال تعالي: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} (آل عمران: من الآية138) .
فإذا كان القرآن كله بيانًا؛ فمن أين جاء خطأ الإمام الشافعي في إطلاقه (البيان) على هذا النوع من السياق القرآني.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ـ رحمه الله ـ: (( والمقصود ببيان الكلام حصول البيان لقلب المستمع حتى يتبين له الشيء ويستبين، كما قال تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} .
وهذا هو البيان الذي قصده الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ.
7 -لا يصطلح مصطلح مغاير لما درج عليه أصحاب الفن:
لا بأس بـ (الاصطلاحات) التي توضع لتقريب فن من الفنون، وضبط قواعده ومباحثه، وليس لحمل نصوص الشرع من الكتاب والسنة وأقوال السلف عليها، كما رمز. لكن يجب علي المتكلم في ذلك الفن أن يتقيد بتلك الألفاظ المتعارف عليها، ولا يصطلح لنفسه مصطلحًا آخر مغايرًا لما تعارف عليه أصحاب الفن، أو يستعمله في غير ما وضع له؛ لما في ذلك من إبهام وإيهام للقراء.
يقول العلامة الشيخ طاهر الجزائري ـ رحمه الله ـ: (( هذا، وقد ذكر المحققون أنه ينبغي لمن تكلم في فن من الفنون أن يورد الألفاظ المتعارفة فيه مستعملًا لها في معانيها المعروفة عند أربابه، ومخالف ذلك إما جاهل بمقتضى المقام، أو قاصد للإبهام والإيهام، مثال ذلك ... أن يقول قائل عن حديث ضعيف: أنه حديث حسن، فإذا اعترض عليه قال: وصفته بالحسن باعتبار المعنى اللغوي؛ لاشتمال هذا الحديث علي حكمة بالغة.