وقد تعقب بعض المتأخرين بعض السلف على هذا الإطلاق وردوا عليهم بمقتضى اصطلاح المتأخرين، وخطؤهم بموجبه، من ذلك:
قال ابن منبه في قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} (الشورى: من الآية5) نسختها الآية التي في غافر: {يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} (غافر: من الآية7) . [1] .
وهذا معناه أن آية غافر مبينة لآية الشورى؛ ولا يقصد به النسخ بمفهومه عند المتأخرين.
لكن تعقبة ابن النحاس: (( هذا لا يقع فيه ناسخ ولا منسوخ؛ لأنه خبر من الله، لكن يجوز أن يكون وهب بن منبه أراد أن هذه الآية علي نسخة تلك الآية، لا فرق بينهما [2] . وكذا يجب أن يتأول للعلماء، ولا يتأول عليهم الخطأ العظيم، إذا كان لما قالوه وجه ) ) [3] .
وهذا الذي قاله ابن النحاس غير متعين، وإنما لاحظه بمقتضى المصطلح المتأخر، ولم يرده ابن منبه أصلًا، بل جرى كلامه مجرى العرف في عصره؛ من إطلاق النسخ على ما هو من هذا القبيل، فكلامه يتخرج عليه، ولا يحتاج إلى ما تكلفه ابن النحاس رحمه الله من تأويل. والله أعلم.
كما تعقب ابن منبه على ذلك: المحاسبي، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم [4] .
وقال مكي: (( وقد ذكر عن ابن عباس في أشياء كثيرة في القرآن فيها حروف الاستثناء؛ أنه قال: منسوخ ) ).
(1) أخرجه النحاس في (( الناسخ والمنسوخ ) ) (ص 235) .
(2) يعني أنهما بمعني واحد، وإحداهما تبين الأخرى ـ قاله الشاطبي. (( انظر الموافقات ) ) (3/ 356) .
(3) (( الناسخ والمنسوخ ) ) (ص 253) .
(4) انظر: (( م القرآن ) ) (ص 474ـ475) للمحاسبي، و (( الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ) ) (ص 399) لعلي بن أبي طالب.