يرد بها، وإن كان لا يدل عليه ظاهر الآية؛ بل قد لايفهم منها وقد فهمه منها قوم فيسمون ما رفع ذلك الإبهام نسخًا، وهذه التسمية لا تؤخذ عن كل واحد منهم [1] .
ولما نقل العلامة ابن القيم رحمه الله قول حذيفة رضي الله عنه: (( إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بدًا، أو أحمق متكلف ) ).
علق عليه بقوله: (( مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته بارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة؛ إما بتخصيص، أو تقييد، أوحمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا؛ لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد.
فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك لفظ، بل بأمر خارج عنه.
ومن تأمل كلامهم؛ أي من ذلك فيه ما لا يحصي، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر )) [2] .
وقال ابن العربي المالكي: (( إن علماء المتقدمين من الفقهاء والمفسدين كانوا يسمون التخصيص نسخًًا؛ لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم، ومسامحة، وجرى ذلك في ألسنتهم، حتى أشكل على من بعدهم، وهذا يظهر عند من ارتاض بكلام المتقدمين كثيرًا ) ) [3] .
وقوله: (( ومسامحة ) )ليس من التوجيه بالمحل اللائق؛ إذ لم يكن لفظ النسخ عندهم مقتصرًا علي ما هو عند المتأخرين فقط؛ حتى يقال تسمحوا في الخروج عن الوضع العرفي، علي ما تفيده عبارة ابن العربي هذه. والله أعلم.
(1) (( رسالة الفرقان بين الحق والباطل ) ) (ضمن مجموع الفتاوى 13/ 29ـ 30) ، وانظر (( رسالة الإكليل في المتشابه والتأويل ) ) (ضمن المجموع نفسه 13/ 272ـ 273) ، و (( الاستقامة ) ) (1/ 23) .
(2) (( إعلام الموقعين ) ) (1/ 28ـ29) .
(3) (( أحكام القرآن ) ) (1/ 205) .