الصفحة 25 من 35

قال: (( وهو مجاز لا حقيقة؛ لأن الاستثناء مرتبط بالمستثني منه، يليه حرف الاستثناء الذي يلزمه؛ فبين أنه في بعض الأحيان الذين عمهم اللفظ الأول. والناسخ منفصل من المنسوخ رافع لحكمه، وهو بغير حرف ) ) [1] .

وهذا أيضًا فيه محاكمة صحابي جليل على وفق العرف الحادث عند المتأخرين، لا وجود له في عهد ابن عباس رضي الله عنه، فيقال: إنه تكلم بمجاز تاركًا الحقيقة، ولا ريب أن هذا لا يمكن بحال أن يسمى مجازًا حتى عند القائلين به؛ إذ ما ادعى فيه أنه الأصل وهو (النسخ في عرف المتأخرين) لم يولد بعد، فكيف يكون الموجود قبله مجازًا، ويكون هو حقيقة.

ومن ذلك: أن أبا بكر الجصاص الرازي رحمه الله نقل في تفسيره عن بعض السلف قولهم بأن قوله تعالي: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} (لبقرة: من الآية284) .

منسوخ بقوله تعالي: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: من الآية286) .

فتعقب القائلين بالنسخ بقوله: (( لا يجوز أن تكون منسوخة؛ لمعنيين: أحدهما: أن الأخبار لا يجوز فيها النسخ؛ لأن نسخ مخبرها يدل على البداء، والله تعالي عالم بالعواقب غير جائز عليه البداء.

والثاني: أنه لا يجوز تكليف النفس ما ليس في وسعها؛ لأنه سفه وعبث، والله تعالي يتعالى عن فعل العبث، وإنما قول من روى عنه أنها منسوخة فإنه غلط من الراوي في اللفظ، وإنما أراد بيان معناها وإزالة التوهم عن صرفه إلي غير وجهه )) [2] .

وهكذا غلط من روى عن الأئمة قولهم بالنسخ، بأنه غلط في حكاية لفظ (النسخ) ؛ لأنه حمل معناه عندهم على ما هو عند المتأخرين؛ فكان هو الغالط. والله أعلم.

(1) الإيضاح (ص 373ـ 374) .

(2) انظر: (( أحكام القرآن ) ) (2/ 276) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت