وقديمًا أفتي الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ـ رحمه الله ـ بمنع استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية وعد ذلك من المنكرات المستبشعة، فقال فيما قال: (( وأما استعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية فمن المنكرات المستبشعة، والرقاعات المستحدثة، وليس بالأحكام الشرعية والحمد لله(افتقار) [1] .
إلي المنطق أصلًا، وما يزعمه المنطقي للمنطق من أمر الحد والبرهان فقعاقع [2] .
قد أغنى الله عنها بالطريق الأقوام والسبيل الأسلم الأطهر، كل صحيح الذهن، لا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية، ولقد تمت الشريعة وعلومها وخاض في بحار الحقائق والدقائق علماؤها، حيث لا منطق ولا فلسفة، ولا فلاسفة، ومن زعم أنه يشتغل مع نفسه بالمنطق والفلسفة لفائدة بزعمها فقد خدعه الشيطان ومكر به ... [3] .
وهذا الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ لما تحدث عن مقدمتي الدليل: الأولي تحقق المناط، والأخرى تحكم عليه ـ قال مستدركًا ـ (( واعلم أن المراد بالمقدمتين ها هنا ليس ما رسمه أهل المنطق على وفق الأشكال المعروفة، لا على اعتبار التناقض والعكس، غير ذلك وإن جرى الأمر على وفقها في الحقيقة؛ فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح؛ لأن المراد تقريب الطريق الموصل إلي المطلوب على أقرب ما يكون، وعلى وفق ما جاء في الشريعة، وأقرب الأشكال إلي هذا التقرير ما كان بديهيًا في الإنتاج أو ما أشبهه من اقتراني أو استثنائي؛ إلا أن المتحرى فيه إجراؤه على عادة العرب في مخاطباتها ومعهود كلامها، إذ هو أقرب إلي حصول المطلوب على أقرب ما يكون، ولأن التزام الاصطلاحات المنطقية والطرائق المستعملة
(1) ما في المعقوفين وقع في الأصل المطبوع علي غير صواب.
(2) القعاقع: تتابع أصوات الرعد.
(3) (( فتاوى ومسائل ابن الصلاح ) ) (1/ 211) .