خطرات ووساوس، ما تفوه بعباراتهم صديق، ولا صاحب، ولا إمام من التابعين. فإن طالبتهم بدعا ويهم مقتوك، وقالوا: محجوب وإن سلمت لهم قيادك تخبط ما معك من الإيمان، وهبط بك الحال إلي الحيرة والمحال، ورمقت العباد بعين المقت، وأهل القرآن والحديث بعين البعد، وقلت: مساكين محجوبون.
فلا حول ولا قوة إلا بالله!
فإنما التصوف والتأله والسلوك والسير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - من الرضا عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشريعة من التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت، وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الإيثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزز على الكافرين، مع هذا فالله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم.
والعالم إذا عرف عرى من التصوف [1] والتأله، فهو فارغ، كما أن الصوفي إذا عرى من علم السنة، زل عن سواء السبيل.
وقد كان ابن الأعرابي من علماء الصوفية، فتراه لا يقبل شيئًا من اصطلاحات القوم إلا بحجة )) [2]
وكل هذه المصطلحات دخيلة علي العقيدة الإسلامية، ومردها إلي الفلسفات اليهودية، والمسيحية، والإغريقية، والهندية [3] ؛ فالمشاحة في مثلها واردة ولا بد، والدافع في صدرها قائم لا محالة. والله الهادي إلي سواء السبيل.
ولما دافع بعض أهل التصوف عن ابن عربي الحاتمي حول مقالاته التي فيها كفر صريح، وحملها علي أنها اصطلاح اصطلحه لنفسه يعتذر له فيه، رد عليه العلامة البقاعي بكتابه (( صواب الجواب ) )فقال ـ مستنكرًا كلامه بشدة ـ (( وهل قال أحد من أتباع الأئمة الأربعة الذين هم حملة الشريعة وعليهم مدار
(1) قصد الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ بالتصوف هنا واضح من سياق كلامه المتقدم، وهو التعبد علي وفق ما جاء عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما عليه سلف الأمة، لا التصوف باصطلاحه الحادث الذي هو خروج عن الجادة المستقيمة، وسلوك طرق الغواية والضلالة، وخروج عن سواء السبيل. والله أعلم.
(2) سير أعلام النبلاء (15/ 410) .
(3) انظر: المؤامرة علي الإسلام لأنوار الجندي (ص48) .