هكذا جزم القرطبي ـ غفر الله له ـ بأن هذه المصطلحات الحادثة التي أولوا بها كلام الله ورسوله، ونفوا بسببها كثيرًا من صفات الله، ولووا بموجبها أعناق النصوص الشرعية؛ يدل الكتاب والسنة عليها، لكنه لم يكشف لنا مواطن الدلالة ووجوهها، ولم يذكر لنا من علماء السلف من استعملها في كلامه، وهو يعترف بأنها لم تكن موجودة في الصدر الأول؟!
ومن هذا الباب أيضًا: تقسيم الكلام إلي (حقيقة) و (مجاز) فهذان الاصطلاحان لو لم تكن فيهما: (لا مشاحة في الاصطلاح) ، ولكن بما أنهما لا يستقيم معناهما، وقد استعملا لصرف ظواهر النصوص، والرد في نحورها، كانت المشاحة فيهما واردة، واجتنابهما متعينًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله وهو يرد على المجازيين: (( كما يعلم بالاضطرار عند العرب أنها لم تتكلم باصطلاح النحاة التي قسمت بعض الألفاظ: فاعلًا، واللفظ الآخر مفعولًا، ولفظًا ثالثًا مصدرًا، وقسمت بعض الألفاظ: معربًا، وبعضها مبنيًا. لكن يعلم أن هذا اصطلاح مستقيم المعني، بخلاف من اصطلح علي لفظ(الحقيقة) و (المجاز) فإنه اصطلاح حادث، وليس بمستقيم المعني، إذ ليس بين هذا وهذا فرق في نفس الأمر حتى يخص هذا بلفظ، بل أي معنى خصوا به اسم الحقيقة وجد فيما سموه مجازًا، وأي معنى خصوا به اسم المجاز يوجد فيما سموه حقيقة، ولا يمكنهم أن يأتوا بما يميز بين النوعين )).
إلي أن قال: (( وقد ظنوا أن هذه التسمية والفرق منقول عن العرب، وغلطوا في ذلك، كما يغلط من يظن أن هذه ذكره الشافعي أو غيره من العلماء، أو تكلم به واحد من هؤلاء؛ فإن هذا غلط، يشبه أن الواحد تربي علي اصطلاح اصطلحه طائفة فيظن أن المتقدمين من أهل العلم كان هذا اصطلاحهم ) ) [1]
وقد أشار إلي ما في هذا الاصطلاح من مفاسد شرعية ولغوية، وأن الأولى ترك أي مصطلح حادث والتزام الألفاظ التي نزل بها القرآن وتكلم بها الجيل الأول ولو لم يكن فيه مفسده، أما إذا تضمن مفسدة فيجب تركه؛ فقال رحمه الله: (وهذا التفريق ـ أي بين الحقيقة والمجاز) اصطلاح حادث لم يتكلم به
(1) (( رسالة الحقيقة والمجاز ) ) (ضمن مجموع الفتاوى) (452/ 20،453) .