فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته ويلقي ما يريد القاءه إلى القلب، فهو موسوس [1] في الصدر وسوسة واصلة إلى القلب، ولهذا قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} [طه: 120] . ولم يقل فيه لأن المعنى أنه ألقى إليه ذلك وأوصله إليه فدخل في قلبه.
وقوله تعالى: {مِنَ النَّاسِ} اختلف الناس في هذا الجار والمجرور، بم يتعلق فقال الفرَّاء [2] ، وجماعة هو بيان للناس الموسوس في صدورهم أي أن الموسوس في صدورهم قسمان: أنس وجن، فالوسواس يوسوس للجني، كما يوسوس للإنسي وهذا القول ضعيف جدًا لوجوه منها:
أنه لم يقم دليل على أن الجني يوسوس في صدر الجني ويدخل فيه كما يدخل في الإنس، والناس [اسم] [3] لبني آدم فلا يدخل الجن في مسماهم.
والصواب القول الثاني وهو: أن قوله من الجنة والناس بيان للذي يوسوس، وأنهم نوعان: إنس وجن [فالجني يوسوس في صدر الإنسي والإنسي يوسوس إلى الإنسي فالموسوس نوعان: إنسي وجني] [4] ، فإن الوسوسة هي الإلقاء الخفي في القلب وهذا مشترك بين الجن والإنس وإن كان إلقاء الإنسي ووسوسته إنما هي بواسطة الأذن، والجني لا يحتاج إلى الواسطة؛ لأنه يدخل في ابن آدم ويجري منه مجرى الدم، على أن الجني قد يتمثل ويوسوس إليه في أذنه كالإنس كما روى البخاري
(1) في نسخة (ب) عبارة (فهو سوس) .
(2) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، وكان يقال له أمير المؤمنين في النحو: وكان ثعلب يقول لولا الفرَّاء ما كانت اللغة. ولد بالكوفة وسكن بغداد، وله مؤلفات جمّة توفي سنةه (207 هـ) في طريق مكة.
(( وفيات الأعيان ) ) [2/ 228] ، (( ونزهة الأولياء ) ) (126) ، (( تاريخ بغداد ) ) [14/ 149] (( الأعلام ) ) [9/ 178] .
(3) ما بين [] ساقط من نسخة (أ) .
(4) ما بين [] ساقط من نسخة (أ) .