رأى فيه داعيًا قويًا إلى نوع من الطاعة فإنه لا يكاد يقول هذا المدعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمر بخير، ويرى أن هذا خير ولم يعلم أن الشيطان يأمره بسبعين بابًا من أبواب الخير [1] ، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وأما ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين بابًا وأجل وأفضل.
وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد؛ يكون سببه تجريد متابعة الرسول وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها لله وأنفعها للعبد، وأعمها نصيحة لله ورسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم وأكثر الخلق محجوبون.
وذلك لا يخطر بقلوبهم فإذا أعجزه العبد في هذه المراتب سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتبديع والتحذير منه؛ ليشوش عليه قلبه وليمنع الناس من الانتفاع به، فحينئذ يلبس المؤمن لامة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت ومتى وضعها أسر وأصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقي الله. فتأمل هذا الفصل وتدبره واجعله ميزانًا لك [2] ، تزن به نفسك وتزن به الناس والله المستعان.
وتأمل السر في قوله تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} . ولم يقل قلوبهم والصدر هو ساحة القلب، وهو بمنزلة الدهليز [3] وبيته، فمنه يدخل الواردات إليه فيجتمع في الصدر، ثم يلج في القلب وفي القلب يخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر، ثم تتفرق على الجنود ومن فهم هذا فهم قوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 154] .
(1) ذكر هذا القول عن السلف رضوان الله عليهم.
(2) في نسخة (ب) عبارة (ميزانك) .
(3) الدّهليز: هو الممر الواصل بين الباب والدار.