الصفحة 27 من 30

فيه أخلاقه وصفاته، لأن التأثر بالأفعال والسلوك أبلغ وأكثر من التأثر بالمقال فقط، وقد ضرب الشيخ رحمه الله أروع الأمثلة وأصدقها في العدل والإنصاف والحكم علي الآخرين، وتمثل العدل في حياته إلي صورة حية وواقع عملي شملت الأصدقاء والأعداء علي حد سواء.

وإليك ـ أخي القارئ ـ نماذج حية من عدل الشيخ وإنصافه في نقد الآخرين والحكم عليهم أنقلها إليك من كلام المقربين إليه المجاورين له:

يقول الحافظ المحقق أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي في كتابه (( العقود الدرية ) )الذي ترجم فيه حياة الشيخ وبين مناقبه: (( وسمعت الشيخ تقي الدين ابن تيميه يذكر أن السلطان لما جلس بالشباك أخرج من جيبه فتوى لبعض الحاضرين في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم.

قال الشيخ: فهمت مقصودة وإن عنده حنقًا شديدًا عليهم، لما فعلوا وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا: فهم حل من حقي ومن جهتي، وسكنت ما عنده عليهم.

قال: وكان القاضي زين الدين ابن مخلوف ـ قاضي المالكية ـ يقول بعد ذلك ما رأيت أتقي من ابن تيميه ....

ثم إن الشيخ ـ بعد اجتماعه بالسلطان الناصرـ نزل إلي القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، وعاد إلي بث العلم ونشره، والخلق يشتغلون عليه، يقرؤون ويستفتونه ويجيبهم بالكلام والكتابة، والأمراء والأكابر والناس يترددون إليه، وفيهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع، وقال: قد جمعت الكل في حل مما جري.

قال ابن عبد الهادي: (( فلما كان الرابع عشر من شهر رجب من سنة إحدى عشر وسبعمائة جاء رجل ـ فيما بلغنا ـ إلي أخيه شرف الدين، وهو في مسكنه في القاهرة فقال له: إن الجماعة بجامع مصر قد تعصبوا علي الشيخ وتفردوا به وضربوه.

فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكان بغض أصحاب الشيخ جالسين عند شرف الدين، قال: فقمت من عنده، وجئت إلي مصر فوجد خلقًا كثيرًا في الحسينية وغيرها رجالًا وفرسانًا يسألون عن الشيخ.

فجئته فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك علي البحر واجتمع عنده الحسينية. ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا، فقال لهم الشيخ: لأي شئ؟ قالوا: لأجلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت