الصفحة 26 من 30

أسرار الحقائق وغاية المطالب وجدته قول الصابئة المتفلسفة بعينه. قد غير عباراتهم وترتيباتهم، ومن لم يعلم حقائق مقالات أهل الملل يعتقد أن ذلك هو السر الذي كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر.

وأنه هو الذي يطلع عليه المكاشفون الذين أدركوا الحقائق بنور إلهي، فإن أبا حامد كثيرا ما يميل في كتبه علي ذلك النور الإلهي، وعلي ما يعتقد أنه يوجه الصوفية من إدراك الحقائق وكشفها لهم، حتى يزنوا بذلك ما ورد من الشرع.

وسبب ذلك أنه كان قد علم بذكائه وصدق طلبه ما في طريق المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب، وأتاه الله إيمانًا مجملًاـ كما أخبر به عن نفسه ـ وصار يتشوق إلي تفصيل الجملة، فيجد في كلامه المشايخ الصوفية ما هو أقرب إلي الحق، وأولي بالتحقيق من كلامه الفلاسفة والمتكلمين والأمر كما وجده، ولكن لم يبلغه من الميراث النبوي الذي عند خاصة الأمة من العلوم والأحوال، وما وصل إليه السابقون الأولون من العلم والعبادة. حتى نالوا من الكاشفات العلمية والمعاملات العباديه ما لم ينله أولئك، فصار يعتقد أن تفصيل تلك الجملة يحصل بمجرد تلك الطريق، حيث لم عنده طريق غيرهما؛ لانسداد الطريقة الخاصة السنية النبوية عنه، بما كان عنده من قلة العلم بها، ومن الشبهات التي تقلدها من المتفلسفة والمتكلمين، حتى حالوا بها بينه وبين تلك الطريقة )) .

ثم قال بعد ذلك عنه: (( ولهذا كان الشيخ(أبو عمرو بن الصلاح) يقول فيما رأيته بخطه: أبو حامد كثر القول فيه، فأما هذه الكتب ـ يعني المخالفة للحق ـ فلا يلتفت إليها، وأما الرجل فيسكت عنه، ويفوض أمره إلي الله )).

ومقصود أنه لا يذكر بسوء؛ لأن عفو الله عن الناس والمخطئ، وتوبة المذنب تأتي علي كل ذنب، وذلك من أقرب الأشياء إلي هذه وأمثاله، ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره، وتكفيره الذنوب بالمصائب تأتي علي محق الذنوب، فلا يقدم الإنسان علي انتفاء ذلك في حق معين إلا ببصره، لا سيما مع كثرة الإحسان، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، والقصد الحسن وهو يميل إلي الفلسفة، ولكن أظهرها في قالب التصوف والعبارات اٌلإسلامية، ولهذا فلقد رد عليه علماء المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي، فإنه قال: شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر )) .

ثانيًا: ومن الناحية العملية:

السيرة الحسنة للمسلم، وأفعاله الحميدة، وصفاته العالية، وأخلاقه الزاكية، وعدله وإنصافه، لها الأثر البالغ في تصديقه والإيمان بما يدعو إليه، والانجذاب إلي كلامه، ويكون المسلم بهذا كالكتاب المفتوح يقرأ الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت