فهذا الصحابي الجليل قد تكرر منه ارتكاب هذا المنكر البغيض والكبيرة العظمي، ولكن لا يعني هذا أنه فاسد ليس فيه خير قط، بل أنه فيه من الصفات الطيبة ما يوجب علي بقية الصحابة موالاته ومحبته ونصرته.
فيجب علي الإنسان أن يعرف للمحسن إحسانه وللمسيء إساءته، ثم يزن بين الأمور بميزان الحق والإنصاف، ولا يجوز أن يغلب جانب النظر إلي السيئات دون النظر إلي المحاسن والحسنات، وهذا هو الفيصل بين أهل السنة والخوارج المبتدعين، فإن الخوارج يقولون إنه لا يخرج من النار من دخلها من أهل القبلة، وأنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في أهل الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعده، وعندهم أن الشخص الواحد لا يجتمع فيه الثواب والعقاب والحسنة والسيئة، بل إذ أثيب لا يعاقب ومن عوقب لا يثاب.
يقول ابن تيميه رحمه الله: (( فهذا يبين أن المذنب بالشرب ـ والخمر ـ وغيره قد يكون محبًا لله ورسوله، وحب الله ورسوله أوثق عرى الإيمان، كما أن العابد الزاهد قد يكون لما في قلبه من بدعة ونفاق مسخوطًا عليه عند الله ورسوله من ذلك الوجه، كما استفاض في الصحاح وغيرهما من حيث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري وغيرهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر الخوارج، فقال:(يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤن القرآن لا يتجاوز تراقبهم حتى يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، اقتلوهم أينما لقيتموهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) ).
أمثلة تطبيقية في نقد الرجال وجرحهم
أولًا: من الناحية النظرية:
ذكرنا فيما سبق أن منهج ابن تيميه يعتمد علي النظر علي حال الإنسان من جهتين:
الأولي: العلم بالحق، ومعرفته وإيثاره علي الباطل بمقدار ما يقدمه من خدمة لدين الله، وبمقدار قربه من أهل السنة والجماعة.
الثانية: إخلاص الدين، وحسن النية، وتحري الصواب في مسائل الدين.