هذا بالنسبة لنقد شيخ الإسلام رحمه الله للمبتدعة من حيث الجملة، ومن حيث نقد الرجال المبتدعين والذي لهم بدعة تخالف منهج السلف، فيكفي أن تأخذ أي كتاب من كتب الشيخ فتقرأه سوف تري الحقيقة ماثلة بين يديك، وستعلم مدي علم وعدل وإنصاف الشيخ حتى مع من يعادونه وينصبون له العداء والمكيدة، وسنورد ـ وأخي القارئ ـ في نهاية البحث أمثلة تطبيقية، تعتبر بمثابة الدليل الساطع والبرهان القاطع علي عدل الشيخ وإنصافه في الحكم علي الآخرين.
ثانيًا: الموازنة بين الحسنات والسيئات:
والمسألة الثانية التي يظهر لنا فيه عدل الشيخ وإنصافه في نقد الناس: الموازنة بين السلبيات والإيجابيات، وقد أكد شيخ الإسلام علي أهمية التوازن في نقد الرجال، وضرورة العدل والإنصاف مع كل أحد.
ويقول رحمه الله: (( ويعلمون ـ أي أهل السنة ـ أن جنس المتكلمين أقرب من جنس الفلاسفة، وإن كان الفلاسفة قد يصيبون أحيانًاَ، كما أن جنس المسلمين خير من جنس أهل المكذبين، وإن كان يوجد من أهل الكتاب من له عقل وصدق وأمانة، ولا يوجد في كثير من المنتسبين إلي الإسلام، كما قال تعالي: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} (آل عمران: من الآية75) .
والإنسان مهما كملت رتبته في الدين ورسخ مقامه في الإسلام معرض للأخطاء، فلا يجوز أبدًا أن تطرح جميع سيئاته واجتهاداته وأقواله، بل ننظر إلي كلامه وأقواله الموافقة للحق ونتقبلها، ونعرض عن أخطائه المخالفة للحق، والموازنة بين هذا وهذا عين الإنصاف، وأما مجرد تتبع الأخطاء وتصيد العثرات والغفلة عن حسنات الناس، فهو دليل واضح علي فساد النية وسوء القصد، وهناك أدلة في الكتاب والسنة تدل علي هذا المنهج القويم في نقد الناس وجرحهم ـ أي الموازنة بين الفضائل والسيئات ـ وأذكر لك دليلين فقط:
أولًا: قال تعالي في بيان صدق اليهود، وأنه يوجد فيهم من له صدق ودين: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} (آل عمران: من الآية75) .
فالله يذم اليهود علي صفاتهم الخبيثة، وإن منهم من يحسد المؤمنين ويتمني لهم الضلال، وإن منهم الخونة، وإن منهم من يشتري بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا، وإن منهم فريقًا يحرفون الكلم عن مواضعه ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد منه، ليوهموا الجهلة أنه من كتاب الله كذلك قال آخر مما ذكره منهم