هذه المسائل اجتهادية، فهذا تسليم لكل مجتهد بذل وسعه في الوصول إلي الحق، ومن قلده في ذلك وتابعه علي طريقته لا ينكر ذلك عليه.
يقول شيخ الإسلام في بيان ذلك ما نصه: (( وأما الذي لا يسلم إليه حاله إلا أن معذورًا مثل أن يعرف في أنه عاقل بقوله ـ يتواجد ـ يسقط عنه اللوم، ككثير من المنتسبة إلي الشيخ أحمد بن الرفاعي واليونسية، فيما يأتونه من المحرمات، ويتركونه من الواجبات، أو يعرف في أنه يتواجد ويتساكر من وجوه؛ ليظن به خيرًا ويرفع عنه الذم فيما يقع من الأمور المنكرة، أو يعرف منه تجويز الانحراف من موجب الشريعة المحمدية، وأنه قد يتفوه بما يخالفها. وأن من الرجال من يستغني عن الرسول، أو له أن يخالفه، أو أنه يجري مع القدر المحض المخالف للدين، كما يحكي عن بعض الكذابين الضالين:
إن أهل الصفة قاتلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الكفار لما انهزم أصحابه، وقالوا: نحن مع الله من غلب كنا معه. وأنه صبيحة الإسراء سمع منه ما جري بينه وبين ربه من المفاجآت، وأنه تواجد من السماء .... ، أو يسوغ لأحد بعد محمد الخروج عن شريعته، كما وسع الخضر الخروج عن أمر موسى، فإنه لم يكن مبعوثًا إليه كما بعث محمد إلي الناس كافة، فهؤلاء ونحوهم مما يخالف الشريعة، ويبين له الحق فيعرض عنه يجب الإنكار عليهم، بحسب ما جاءت به الشريعة من اليد واللسان والقلب )) .
نقد ابن تيميه للمبتدعين:
بين ابن تيميه لنا من خلال ما سبق منهجًا متميزًا في نقد الرجال وجرحهم، يقوم أساسه علي تمام التثبت والدقة المتناهية في النقل عنهم، مع تمام العدل في الإنصاف في العدل في الحكم عليهم، فهو ليس من الذين تغلب عليهم العاطفة، ويدفعهم الحماس الفارغ، ولا يوجد في اليوم منهج في النقد والحكم علي الآخرين من يملك عشر معشار هذا المنهج الدقيق الواضح الذي قدمه لنا شيخ الإسلام ابن تيميه؛ وذلك من خلال ما قدمناه لك من النصوص التي التقطناها من بعض مصنفاته وكتبه، وهي قليلة جدًا نسبة إلي ما كتبه الشيخ من الرسائل العديدة التي تزخر بها المكاتب الإسلامية اليوم.
ومحاور هذا المنهج الدقيق متعددة، وتفاصيلها لها مكان آخر تراجع فيه مما سبق الإشارة إلي بعضها، لكمن سوف أشير إلي المنهج من خلال مسألتين، يظهر لنا جليًا مدي عدالة شيخ الإسلام ابن تيميه وإنصافه حتى مع من يعاونه ويكيدون له، بل حتى مع من حاولوا قتله ورموه بالتكفير والخروج عن الإسلام.