فإن اتباع الإنسان: هو أخذ القول والفعل الذي يحبه ورد القول والفعل الذي يبغضه بلا هدي من الله، قال تعالي: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام: من الآية119) .
فمن اتباع أهواء الناس بعد العلم الذي بعث الله به رسوله، وبعد هدي الله الذي بينه في عباده فهو بهذه المثابة، ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع والفرق، بأهل الأهواء المخالفين للكتاب والسنة، حيث قبلوا ما أحبوه وردوا ما أبغضوه، بأهوائهم بغير هدي من الله.
قلت: ولهذا حذر السلف رضى الله عنهم من مجالسة أهل الأهواء والبدع، وأمروا بهجرهم، وعدم الرواية عنه؛ لأنهم يعدون من قرب منهم، ومن جالسهم لا يسلم من الشر، فإما أن يتابعه علي هواه، أو يدخل الشبهة في دينه، أو عرض قلبه.
قال أبو قلابة: (( لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، وإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالاتهم، أو يلبسوا عليكم ما تعرفون ) ).
وقال ابن عباس: (( لا تجالس أهل الأهواء, فإن مجالسهم ممرضة للقلب ) )، وقال مجاهد: (( لا تجالسوا أهل الأهواء فإن لهم عرة كعرة الجرب ) ). أي: يعدون من قرب منهم وجالسهم كما سبق.
وقال أبو الجوزاء: (( لئن تجاورني القردة والخنازير في دار، أحب إلي من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء ) ).
وصاحب الهوي إن لم يهديه الله للحق، ويشرح صدره للعلم النافع ويبصره بالدليل، فإنه واقع فيما وقع به إبليس وفرعون، بحسب ما عنده من القدرة، فيطلب من الناس أن يكون شريكًا لله في الطاعة واتباع الأمر والتعظيم.
وهذا وإن لم يصرح به ولا يستطيع ذلك؛ لكن هذا كامن في النفوس؛ وهذه هي غاية اتباع الهوي.
قال شيخ الإسلام: (( وصاحب الهوى يعميه الهوى فلا يستحضر ما الله ورسوله في ذلك ولا يطلبه ولا يرضى لرضى الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضي إذا حصل ما يرضاه ويهواه.
ويغضب إذا ما حصل ما يغضب له بهواه، ويكون منه شبهه دين: أن الذي يرضى له ويغضب له وأنه الحق وأنه الدين، وإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن مقصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصده الحمية لنفسه أو طائفته أو الرياء؛ ليعظم هو ويثني عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا، أو لغرض من الدنيا لم يكن لله ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله، فكيف