نفسك؛ لأنك لم تزجرها وتمنعها عن هواها، وإنما أطلقت لها العنان؛ وهذا هو الغش لها؛ يقول الحق تبارك وتعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [1] .
والذي يفعل كل ما تشتهي نفسه فإنه -ولا شك- سوف ينقاد لها، ويوردها موارد الرذيلة، ويكون عبدًا لهواه، فيكون قد أهان نفسه وسقط من أعين الناس؛ فلا يحبه تقي، ولا يكرمه مؤمن.
106 -... بَطِيءٌ عَن الطاعَاتِ أسْرَعُ لِلخَنَا
مِنَ السَّيْل في مَجْرَاهُ لا يَتَقَسَّمُ [2]
مقصر في فعل الطاعات، متكاسل في أدائها. أما للفواحش فهو مقدام أسرع من السيل إذا كان مجتمعًا ولم يتشعب.
107 -... وَتزعُمُ مَعْ هذا بأنَّكَ عَارِفٌ
كَذَبْتَ يَقِينًا في الذِي أنْتَ تَزْعُمُ
108 -... وَمَا أنتَ إلا جَاهِلٌ ثُمَّ ظَالمٌ
وإنَّكَ بَيْنَ الجاهلينَ مُقَدَّمُ
ومع ما أنت عليه من ترك الواجبات، وفعل المحرمات، والبطء بفعل الخيرات، والإسراع للفواحش، وما أنت عليه من الفهم السقيم لأحكام الشرع. مع هذا كله، تزعم أنك تعرف حقائق الأمور ومقاصد الشرع.
لا شك في أنك كاذب فيما ادعيت، وإنما هو زعم منك. وإنما الحقيقة الواضحة أنك تجهل الأمور التي يعلمها العامِّي من الناس، فضلًا عن الأمور التي تحتاج إلى بحث ودراسة. وما ذاك لاإلا لأنك لست من الجاهلين فحسب، وإنما
(1) سورة النازعات: 40، 41.
(2) للخنا. خنا خنوًا: أفحش.