99 -... وَعندَ مُرادِ الله تفْنى كَميِّتٍ
وَعِنْدَ مُرادِ النَّفْس تُسْدي وَتُلحمُ [1]
إذا جاءك أمر الله بأن تفعل كذا أو أن تجتنب كذا يصيبك الذوبان, وتصبح كالميت تمامًا؛ لا تسمع ولا تعقل. أما إذا جاءت الشهوة ومراد النفس الأمارة بالسوء, فإنك تقبل عليها بشدة حتى لا تستطيع أن تميز بين الخير والشر.
100 -... وَعِنْدَ خِلافِ الأمْرِ تحْتجُّ بِالقَضَا
ظَهِيرًا عَلى الرَّحْمنِ للجَبرِ تزْعُمُ [2]
إذا خالفت أوامر الشرع, وفعلت المحظور, وارتكبت المحرمات, وتركت الواجبات؛ فإنك تزعم أن هذا قد كتبه الله عليك في الأزل, وأنك لا تستطيع أن تفعل غيره لأنك مسيّر لا إرادة لك, فأنت تعين بهذا أهل الباطل المخالفين لأوامر الله, وتنحاز إليهم, وتبني عقيدة الجبرية التي لا تُثبت للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا [3] .
أي إن كل ما يقوم به العبد من أعمال الخير والشر, وفعل الطيب والخبيث, وإتيان المباحات والمحرمات, ينسبون كل هذا إلى الله لأنه الذي كتبه على العبد؛ وإنما هو مسيّر تسييرًا كاملًا. وهذا باطل واضح البطلان؛ لأن علم الله السابق بأن هذا العبد ماذا يختار فيعمل باختياره, فكتب الله سبحانه وتعالى
(1) مراد: المشيئة والطلب. تفنى: تعدم. تسدى: سدا: مدَّ يدهُ نحو الشيء.
تلحم: لَحم الأمر: أحكمه. ورجل اللحم: أكول اللحم. ورجل ملحم: إذا كثر عنده اللحم.
(2) خلاف الأمر: فعل ما يخالف الأوامر الشرعية.
ظهير: معين.
(3) قال الشهر ستاني في الملل والنحل: 1/ 85, والجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى؛ فالجبرية الخالصة: هي التي لا تثبت للعبد فعلًا وقدرة على الفعل أصلًا.