لأن شَقَاهُمْ قدْ تَرَحَّلَ عَنْهُمُ [1]
ولما وصلوا إلى البيت الحرام، ومتعوا أبصارهم برؤيته؛ هذا البيت الذي طالما اشتاقت إليه قلوب العباد، واحترقت من شدة الوجد لرؤيته.
وبعد الوصول والتمتع بالرؤية اطمأنت القلوب، واستقرت الأفئدة، واستراحت الأبدان، وذهب الألم؛ وكأن جميع ما لاقوه من وعثاء السفر وشدته ونصبه ومشقته قد ذهب كله عنهم؛ لأن السعادة التني غمرتهم قد أنستهم ذلك كله.
36 -... فللهِ كَمْ مِنْ عَبْرةٍ مُهْرَاقةٍ
وَأخْرى على آثارها لا تَقَدَّمُ [2]
37 -... وَقَدْ شَرَقتْ عَيْنُ المُحِبِّ بدَمْعِهَا
فيَنْظُرُ مِنْ بَيْن الدُّمُوع وَيَسْجمُ [3]
يتعجب من كثرة ما تذرفه العيون من الدموع السائلة على الخدود، وكلما خرجت دمعة تبعتها أخرى بعدها، مباشرة ودون انقطاع، وقد امتلأت عيونهم بالدموع، فأصبحوا لا يستطيعون مشاهدة البيت بوضوح، وإنما أصبح الدمع حاجزًا بين عيونهم وبين البليت؛ فهم ينظرون إليه من خلف الدموع التي قد ملأت العيون مستمرة في ذرف المزيد من الدموع.
38 -... إذا عَايَنْتهُ العَيْنُ زَالَ ظلامُهَا
(1) ينصب: يتعب. ترحل: ذهب.
(2) عبرة: الدمعة قبل أن تفيض، أو تردد البكاء في الصدر.
مهراقة: أهراقه يهريقه فهو مهريق ومهراق: يعني صبه (القاموس) .
على آثارها: تأتي بعدها، كأنها تمشي على أثرها.
(3) شرقت: امتلأت حتى غصًّت، لأن الشَرَق: الغصة، والغصة: ما اعترض في الحلق فأشرق.
يسجم: يسيل.