فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 96

وكنت إذا اشتد بي ألم الهوى وشدة نزاع النفس إلى رؤياكم، وأصابني الحزن العميق على فراقكم، وأوشك أن تتقطع وتتكسر مقابض الصبر التي أتشبت بها؛ فإذا أصابني هذا الشعور (أعلل نفسي بالتلاقي) .

وبعد أن يستحكم بي الشوق وألم الفراق فإني أشاغل نفسي وأحدثها بأن وقت اللقاء قد قرب، وأنا أعلة أنه وَهمٌ لا حقيقة له، ولكني أجلب هذا الظن لنفسي لكي تستقر وتسكن، وأجعل عيني دائمًا في ترقب إلى الجهة التي تسكنونها، وقلبي متوجه إليكم لعلي أفوز منكم بنظرة؛ لأن نفسي دائمًا تحدثني بقدومكم كلما غفلت، فتراني دائم التطلع إلى جهتكم لأن لي بها ديارًا ومنازل.

24 -... وأذْكُرُ بيتًا قالهُ بَعْضُ مَنْ خَلا

وَقَدْ ضَلَّ عَنْهُ صَبْرُهُ فَهْوَ مُغْرَمُ [1]

25 -... أسَائِلُ عَنْكُمْ كُلَّ غَادٍ وَرَائِح

وَأومِي إلى أوْطانِكُمْ وَأسلمُ [2]

بعد أن يتجه إلى الجهة التي هم فيها بقلبه قبل بصره، فإن هذا لا يخفف لوعته ولا يسكن شيئًا من آلامه، فيتذكر ذلك البيت الذي قاله أحد الشعراء القدماء عندما اشتد عليه شوقه وضاع منه صبره فقال: «أسائل عنكم ... » أي بعد أن انقطعت أسباب الوصال، ولا أمل في التلاقي، فإني أسأل عنكم الذاهب والقادم، وأتقصى أخباركم، وأحرك رأسي إيماءً إلى جهتكم، ومع هذه الحركة ألقي عليكم السلام.

26 -... وَكمْ يَصْبِر المُشْتَاقُ عَمَّن يُحِبُّهُ

(1) خلا: مضى. ضل: الضلال ضد الهدى، يعني ضاع عنه صبره ولم يهتد إليه.

مغرم: أسير الحب، أو المولع بالشيء.

(2) غاد. الغدو: السير أول النهار. رائح: الرواح: السير آخر النهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت