الصفحة 45 من 48

مسلك السلف الصالح ليس فيهم أسوة ولا قدوة وحسبنا الله ونعم الوكيل"ز ولكن ابن حزم نفسه يحاول أن يؤول في هذه الصفات والتي هي عنده أسماء وقد يلتقي مع بعض آراء المعتزلة في هذا الاتجاه [1] ، واتهمه ابن تيمية بنفي الصفات لهذا السبب وعلل تخبط ابن حزم في ذلك:"بسبب أنه أخذ أشياء من أقوال الفلاسفة والمعتزلة عن بعض شيوخه ولم يتفق له من بين لهم خطأهم" [2] ، ويمكن أن نلتمس لابن حزم العذر في ذلك، كما التمسه له ابن تيمية، إذ أنه بالإضافة إلى عدم وجود من يبين خطأ الفلاسفة له، إنه لم يكن ينفي الصفات بل أنه اعترض على هذا المصطلح فقط، وكان مذهبه الظاهري سببًا قويًا لذلك [3] ."

وعند نقاشه أوجه المفاضلة بين الصحابة، يكثر من الاهتمام بهذا الجانب ويعده أساسًا منهجيًا مهمًا، فلابد أن يعرف الخليفة قبل أن يخوض في مسألة الخلافة فيقول:"الخليفة في اللغة: هو الذي يستخلفه المرء لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه هو" [4] ، وهو هنا يلجأ إلى تعريف هذا المصطلح عند مناقشة أمر الخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمر فيها مشهور، في حين نجده ينبه إلى أن بعض المصطلحات تحتاج إلى تفصيل، وما زلنا في باب المفاضلة بين الصحابة، واحتجاج البعض بأن عليًا - رضي الله عنه - كان أكثر الصحابة جهادًا وطعنًا في الكفار وضربًا والجهاد أفضل الأعمال:"قال أبو محمد: هذا خطأ لأن الجهاد ينقسم أقسامًا ثلاثة: أحدها: الدعاء إلى الله عز وجل باللسان، والثاني: الجهاد عند الحرب بالرأي والتدبير، والثالث: الجهاد باليد في الطعن والضرب" [5] ، إن هذا المنهج في بيان المصطلحات يقوده إلى رسم خطوط واضحة لمسار فقرات كثيرة من كتابه، ويتخذه طريقة للتعبير، وفي الوقت نفسه الذي تكون للبيان والتدليل، وفي هذا المقام لا ينسى أن ينبه على مسألة في غاية الأهمية وهي التي اصطلح عليها:"التدليس"ويحذر القارئ منها قبل أن يدخل إلى مبحث الفرق الإسلامية: ولكن ربما دلسوا المعنى الفاحش بلفظ ملتبس ليسهلوه على أهل الجهل، ويحسن الظن بهم من أتباعهم" [6] ، وبذلك يحدد ابن حزم مصطلح خاص به ويحذر القارئ منه. فقط تختلط بعض المصطلحات على من لا علم له بالأمر، مما قد يسبب فهمًا خاطئًا، ويمثل لنا في ذلك:"كقول طوائف من أهل البدع والضلال: لا يوصف الله تعالى بالقدرة على المحال وعلى الظلم ولا على الكذب، ولا على غير ما علم أنه يكون، فأخفوا عظيم الكفر في هذه القضية لما ذكرنا من تلبيس الأغمار من اتباعهم. وتسكين الدهماء من مخالفيهم ..." [7] ، وفي هذا إشارة واضحة من قبله على ضرورة الموضوعية في مثل هذه الكتابات، خصوصًا وأن لها دورًا أساسيًا في بيان الخلاف وأصله بين الفرق المختلفة."

على أننا إن تتبعنا إطلاق ابن حزم التسميات على الفرق التي نسب إليها المقالات، لا يهتم كثيرًا بذكرها على حسب ما اشتهرت به كما فعل الشهرستاني من بعده [8] ، ونجده انتقائيًا في ذلك، فأول الطوائف الرئيسية التي يتناولها هم الشيعة بفرقها المتعددة، ويذكر أسماء عدد كبير منها [9] ، في حين أنه لا يذكر إلا النزر اليسير من فرق المعتزلة، والمرجئة، وهذا الأمر يجعلنا نتساءل، لماذا أورد بعض المصطلحات وغض النظر عن البعض الآخر؟ وهنا لا نستطيع إلا أن نقول: أنه لم يبر مبررًا لتحديدها وفق المصطلحات المتداولة بين المؤرخين، لأن هذه المصطلحات في الأساس غير

(1) الفصل، (2/ 363 - 385) ، أبو زهرة، ابن حزم، (221) .

(2) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، تحقيق محمد رشاد سالم (الرياض، 1986) ، (2، 584) .

(3) ينظر للتفاصيل: مهدي طه مكي الصالحي، آراه ابن حزم فيما بعد الطبيعة رسالة ماجستير غير منشورة (جامعة بغداد، كلية الآداب، 1987) ، (175 - 179) .

(4) الفصل، (4/ 176) .

(5) الفصل، (4/ 183 - 184) .

(6) الفصل، (5/ 33) .

(7) الفصل، (5/ 33) .

(8) مكي خليل حمود، الملل والنحل للشهرستاني (177 - 178) .

(9) الفصل، (5/ 35 - 49) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت