كله بدأ بتقرير الرؤية ورؤية الله تعالى يوم القيامة كرامة للمؤمنين لا حرمنا ذلك الله من فضله) [1] إن هذا العرض السريع لمبحث الرؤية يعطينا تصورًا لمنهج ابن حزم في دراسته للفرق من خلال عقائدها، والمسائل الكلامية التي بحثها، وقد قدمنا فيما سلف الأدوات التي يستخدمها أهل العقائد
وبهذا تقرر أن منهجه إلى حد ما منهج محدد له خطوط واضحة سار بها. إلا أن هذا لم يكن ليعصم ابن حزم من إهمال كثير من الفرق الإسلامية مركزًا على أساس الفرق كما فعل الأشعري والبغدادي والشهرستاني، بل إنه اعتمد منهجًا آخر يرتكز على الأعلام في تحديد المقالات وتقسيمها، وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى بالمبحث الآتي:
الأعلام:
إن مؤرخ الملل والنحل عادة ما يتعامل مع عدد كبير من الأعلام التي لها أهميتها في بيان جذور كثير من الفرق، حيث جعلها علامة بارزة في منهجه، الذي يعتمد عليها في تحديد مسار بحثه أكثر من اهتمامه بأسماء الفرق، وجعلهم من أسس تحديد الآراء والمقالات. والمطالع لمبحث المعتزلة في كتاب الفصل يجد ما قررناه واضحًا فالمنهج الذي يختطه ابن حزم في إيراد مقالات المعتزلة، يستند على أعلام متكلميهم، ومثال ذلك: (( وقالت المعتزلة بأسرها حاشا ضرار بن عبد الله الغطفاني الكوفي، ومن وافقه كحفص الفرد [2] أن جميع أفعال العباد من حركاتهم وسكونهم في أقوالهم التي ذكرها ابن حزم عنه، وأشار كذلك إلى الرأي نفسه من كون حفص الفرد قد تبع ضرار بن عمرو في مقالته هذه. وهذه يدل على أن ابن حزم لم يرتئ التقسيم الذي اتبعه التغدادي لأن طريقتة أيسر وأسهل منه.
(1) الفصل، (3/ 10) .
(2) هو حفص بن أبي المقدام، كان ـ بالإضافة إلى قول ابن حزم فيه ـ كان ينفى صفات الباري عز وجل، ويشك في عامة المسلمين ويقول: (لا أدري لعل سرائر العامة كلها شرك وكفر) ، ترجمته عند ابن النديم، الفهرست، (229ـ 230) البغدادي، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي، الفرق بين الفرق (بيروت، 1997) ، (ص202) .