عدم ترك فجوة يمكن أن تخل بمادة كتابه، مثل: ادعاء البعض: (( أن الشفاعة ليست إلا في المحسنين ) ) [1] ، ويرد هذا الادعاء بقوله: (( وهذا لا حجة لهم فيه، لأن من أذن الله في إخراجه من النار وإدخاله إلى الجنة، وأذن للشافع في الشفاعة له في ذلك فقد ارتضاه ) ) [2] ، فمن هنا يتبين أن ابن حزم أول ما يبدأ بحثه في أي مسألة كلامية يقرر آراء مختلف النحل الإسلامية فيها على اختلافها، ثم يستعرض أدلة كل فريق على سبيل التفصيل، حتى إذا فرغ من ذلك بدأ عمله في تفنيد الأدلة التي لا توافق معتقده، وقد يشير إلى وجه التناقض بينها ثم يبين وجهة نظره التي يتبناها مع الأدلة التي تدعم ذلك، ومن ثم بعد وصوله لهذه النقطة يطرح بعض الاعتراضات للخصم، يردها بمهارة لا تقل عن المهارة التي رد بها الأدلة الأولى، والتي استعرضنا صورة منها قبل قليل. وهكذا نجد أسلوبه هذا في معظم العقائد التي يستعرضها، فأنت إن قرأت المسائل الأكثر تعقيدًا، رأيت أقوال النحل تكثر وأدلتهم تتعدد، افتراضاتهم تتشعب ويستمر ابن حزم على منهجه هذا في تناول الآراء فنفسه يطول في ردها وإقناع القارئ بوجهة نظره بعبارة موجزة:
(( أن طريقته في ترتيب موضوعه تتمثل في تقرير الأسس للعقيدة قيد الحث، ثم بسط للدعوى، ثم استعرض آراء الخصوم وأدلتهم، ثم دفعه للشبه وبرهان للحق الذي ينتصرله، وهي طريقة محكمة متكاملة ) ) [3] .
إلا إن هناك بعض المآخذ على ابن حزم في هذا الجانب، منها عدم تصريحه في بعض الأحيان بنسبة المقالة إلى صاحبها، فيضطر الباحث إلى العودة إلى الكتب التي تناولت الموضوع نفسه ليرى من قال هذا الكلام مثال ذلك قوله: (( وقالت طائفة أن علة الباري تعالى لما فعل هو: جودة
(1) الفصل، (4/ 113) .
(2) الفصل، (4/ 113) .
(3) سعيد الأفغاني، ابن حزم ورسالة المفاضلة (ص 158ـ 159) .