الصفحة 30 من 48

في عرض صور مزدوجة ومتشابهة عند كل من المسلمين وغيرهم من أهل الملل الأخرى، فهو يعتقد أن المعجزة التي ادعاها البعض للحلاج [1] ، أو لبعض الصالحين مثل إبراهيم بن أدهم [2] لا تختلف عن دعوى النصارى المعجزات للحواريين من أصحاب عيسى عليه السلام [3] . ونحن نرى من ذلك كيف خدمت ثقافة ابن حزم الواسعة منهجه في مقارنة مقالات كثير من الناس رغم اختلافهم في المعتقد والزمان والمكان، فعنده تستوي دعوة المعجزة لماني ودعوتها للحلاج وغيرهم، ذلك أن مجرد المقارنة توصلنا إلى مسألة مشتركة، وهي المبالغة في نسب المعجزات لأصحابها وربما يكون في هذا إشارة المعجزة لا تكون إلا بنص كما يؤمن بذلك ابن حزم نفسه.

أما فيما يخص المناظر فنحن نجد صورًا كثيرة لها والغرض من إيرادها عند ابن حزم هو كونها تمثل وسيلة مهمة من الوسائل العلمية المعروفة والمنتشرة في عصره في الوقت نفسه الذي تمثل فيه التفاعل العلمي بمختلف الأفكار في ذلك العصر. خاصة وأنه يصرح بحدوث الكثير منها فمن ذلك قوله: (( وقد ناظرت بعض المنكرين لهذا المذهب، إلى أن الهم بالسيئة الإصرار عليها. فقلت له: هذا خطأ لأن الإصرار لا يكون إلا على ما قد فعله المرء بعد تمام على نية أن يفعله، وأما من هم بما لم يفعل بعد فليس إصرارًا ) ) [4] ، ونجد يكثر من هذه المناظرات، وهي وسيلة مهمة في منهجه لا سيما المباحث الكلامية التي كانت مدار نقاش في المجالس العلمية بالأندلس، ويمكن أن نعد بعض هذه المناظرات من الشواهد المهمة على الآراء التي ناقشها، حيث يقول: (( وقد ألزمت بعض

(1) الحلاج: هو الحسين بن منصور، قال عنه ابن النديم: (( كان محتالًا يتعاطى مذاهب الصوفية ويدعى كل علم(ت 309هـ) الفهرست، (ص 241ـ242) ، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، (8/ 112) ، وقد اعتنى لويس ماسينون بدراسة الحلاج ونشر كتابه (( الطوسين ) )في باريس سنة (1913) ، وقدم له مقدمة وافية، وأعيد طبعه بالقاهرة سنة (1970) مع كتاب أخبار الحلاج باعتناء عبد الحفيظ محمد مدني هاشم

(2) إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي البلخي، زاهد مشهور، تفقه وجال في العراق والشام والحجاز، أخباره كثيره فيها مبالغات عظيمة (ت 161هـ) .

(3) إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي البلخي، زاهد مشهور، تفقه وجال في العراق والشام والحجاز، أخباره كثيره فيها مبالغات عظيمة (ت 161هـ) .

(4) الفصل، (4/ 91) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت