الصفحة 29 من 48

المقارنة والمناظرة:

لقد ساق لنا ابن حزم مقارنات بين أصحاب العقائد والملل المختلفة، حاول خلالها إبراز جهوده العلمية في تحليل الآراء من خلال مقارنتها مع بعضها وخصوصًا الاعتقادات المتشابهة، على أن الفكرة التي يركز عليها ابن حزم هنا هي تلك الآراء المتشابهة التي قد تردد عبر مدد زمنية مختلفة حيث قال: (( إن الناس قسمان: قسم لم تسكن نفوسهم إلى الإسلام ولا دخلها التصديق فطلبوا منه عليه السلام البراهين فأراهم المعجزات فانقسموا قسمين، طائفة آمنت وطائفة عندت وجاهرت وكفرت وأهل هذه الصفة اليوم هم الذين يلزمهم طلب الأدلة فرضًا ولا بد ) ) [1] ، إن هذه المقارنة بين دعاة الاستدلال وكونه شرطًاُ للإيمان في زمن ابن حزم، وبين الكفار في عصر الرسالة فيه ميزة تظهر واضحة للقارئ، وهي ذلك الشك الذي تتنازعه كلا الطائفتين من أجل الإيمان. وقد تتخذ المقارنة عنده مسارات متعددة، ومن ذلك انتقاد بعض المعتزلة، بسبب قياسهم العقلي، ويقارنهم بأقوام آخرين من ملل آخرى، وذلك لأنهم حكموا على: (( الباري تعالى بمثل ما يحكم به بعضنا على بعض، وهذا بين له أصل عند الدهرية، وعند المنانية [2] ، وعند البراهمة [3] ، وهو أن الدهرية قالت: لما وجدنا الحكيم فيما بيننا لا يفعل إلا لاجتلاب منفعة أو لدفع مضرة، ووجدنا من فعل لا فائدة فيه فهو عابث، هذا الذي لا يعقل غيره ) ) [4] فهو هنا يشبه مقالة المعتزلة بما قالته كل من المنانية والبراهمة، وكأنه ينسب قولهم الفاسد إلى أصل اعتمدوا عليه وتأثروا به. والنقطة المهمة التي وظفها ابن حزم في هذا الاتجاه هي ثقافته الواسعة خصوصًا باليهودية والنصرانية، حيث استفاد منها

(1) الفصل، (4/ 77) .

(2) المنانية: نسبة إلى ماني بن فاتك، القائل بالنور والظلمة، ظهرت مقالته أيام سابور بن اردشير ملك الفرس، وقد تبعه خلق كثير من المجوس، قتله سابور بن بهرام، وقيل بهرام بن هرمز، ينظر: الفصل، (1/ 0) الشهرستاني الملل والنحل (2/ 72ـ 83) .

(3) البراهمة: نسبة إلى قبيله في الهند، اشتهروا بنفي النبوات رغم اقرارهم بالتوحيد الذي جعلوا العقل هو الموصل إليه بلا رسل، الفصل، (1/ 136ـ 140) ، الشهرستاني، الملل والنحل (3/ 342ـ 348) .

(4) الفصل، (3/ 138) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت