الصفحة 28 من 48

بواسطة؛ إلا أن يأتي من العدم، وقد انتقد بعض علماء الأندلس الأسلوب المنطقي في كتابات ابن حزم حيث اتهموه بأنه: (( ... يرد على المنطقي بالشرعي ) ) [1] وقد نفى ابن حزم هذه التهمة عنه، والحق أنه كان يميل إلى هذه العلوم، ونجده يكرر استعانته بها ليؤيد وجهة نظر لا لرد حقيقة شرعية، وإنما لإبراز صحة وجهة نظره للقارئ، وصدق دعواه، فمن ذلك قوله: (( وأما من طريق النظر والمصلحة، فلو جاز أن يكون في العالم إمامان لجاز أن يكون فيه ثلاثة، وأربعة وأكثر، فإن منع من ذلك مانع كان متحكمًا بلا برهان، ومداعيًا بلا دليل ) ) [2] وهذا المثال يوضح بدقة الجانب العقلي النظري في منهجه، والذي من خلاله نستطيع أن نقرر، أن بن حزم قد أدخل أدوات الاستدلال النظرية في مناقشة الآراء المختلفة.

وقد استعان ابن حزم أيضًاُ بالبحث النفسي والسلوكي للفرد، حتى أنه ليبين ذلك واضحًا من خلال أسلوب التحليل لسلوك كل من المؤمن والكافر، لأن أفعال النفي جارية: (( على ما رتب الله تعالى فيها تمييزها من فعل الطاعات، وهذا هو الذي يسمى العقل، وإذا خذل الله تعالى النفس أمد الهوى بقوة هي الإضلال، فجرت أفعال النفس على ما رتب الله تعالى في هواها من الشهوات وحب الغلبة والحرص والبغي والحسد. وسائر الأخلاق الرذيلة والمعاصي ) ) [3] ، إن هذه المعالجة الفريدة من نوعها لمسألة الضلال التي شغلت ألسنة المتكلمين، تعطينا صورة لعمق المسائل التي طرحها ابن حزم أمام القارئ، وفيها تلك الروح التي تميز كتاباته، وهو طرح الحقيقة بأسلوب علمي مبتكر، في خطوة جريئة تبين لنا موهبة ابن حزم في الغوص في النفس والكشف عن أسرارها.

(1) ابن حزم، الرسائل (3/ 73) .

(2) الفصل، (4/ 151) .

(3) الفصل، (3/ 74) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت