أحد" [1] ، وبهذا يثير ابن حزم الحس التاريخي لدي القارئ ويجعله يسلم له طائعًا لأنه يقدم حقيقة تاريخية واضحة ومعروفة. وتجده يستشهد بفشل كل من:"المأمون والمعتصم والواثق - على سعة ملكهم لأقطار الأرض - قطع القول بأن القرآن مخلوق فما قدروا على ذلك" [2] ، فحرصه على إقناع المقابل، قاده للاستعانة عدة مرات بأنواع الأمثلة التاريخية [3] ، وميزة ابن حزم في كتاباته التاريخية، في الاختصار والمقارنة بل إنه يلجأ في أحيان كثيرة إلى الاستشهاد بالتاريخ على التاريخ، وهذا يصبح أمرًا ضروريًا في مسائل الخلاف خاصة المسائل التي لها علاقة بالتاريخ [4] ، فمن تلك: المقارنة الذكية بين مقتل كل من عثمان بن عفان وعمار بن ياسر (رضي الله عنهما) [5] ."
يقول:"وعمار رضي الله عنه قتله أبو العادية يسار بن سبع السلمي [6] ، شهد بيعة الرضوان فهو من شهداء الله له بأنه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه، فأبو العادية رضي الله عنه متأول مجتهد مخطئ فيه، باغ عليه، مأجور أجرًا واحدًا، وليس هذا كقتلة عثمان - رضي الله عنه - لأنهم لا مجال لهم للاجتهاد في قتله لأنه لم يقتل أحدًا ولا حارب ولا قاتل ... فيسوغ لمحاربة تأويل، بل هم فساق محاربون سافكون دمًا حرامًا عمدًا بلا تأويل [7] ."
إن هذه المشاهدة التاريخية، والمقارنة بين حادثين، يكون أمرًا ضروريًا عند حدوث خلاف في مسببات وقوعهما، وكأن الحادثة التاريخية يمكن أن تعطي بعدًا حقيقيًا لتصورات المؤرخ من أجل حل الخلاف القائم بين المتكلمين في هذا الحادث [8] .
4 -الاستشهاد بالجغرافية: إن ابن حزم لم يهمل الجانب الجغرافي من أجل الاستفادة منه في إسناد وجهة نظره، ويدل بحثه فيه على أنه يمتلك معلومات جغرافية جيدة، فلرد دعوى البعض: يكون عقد الإمامة لا يصح إلا بعقد فضلاء الأمة، يثبت بأن هذا الأمر يكاد يكون مستحيلًا إذ:"لا حرج ولا تعجيز أكثر من أن تعرف إجماع فضلاء الأمة مَنْ في المولتان [9] ، والمنصورة [10] إلى بلاد مهرة [11] إلى عدن، إلى أقاصي بلاد المصامدة [12] ، إلى طنجة إلى الأشبونة [13] ، إلى جزائر البحر، إلى سواحل الشام إلى أرمينية [14] ..." [15] . ولا يستطيع أحد إلا أن يقول بأن هذا الأمر يبدو
(1) الفصل، (3/ 198) .
(2) الفصل، (1/ 144) .
(3) ينظر على سبيل المثال، الفصل، (4/ 233 - 244) .
(4) إحسان عباس، مقدمة الرسائل، (2/ 26) .
(5) الفصل، (4/ 181 - 244) .
(6) كذا أورده ابن حزم في الطبعة التي تحت يدي:"أبو العادية"بعين مهملة والأصح كما عند ابن سعد وابن عبد البر:"أبو غادية"بعين معجمة يسار بن سبع الجهني ويقال المزني قال العقيلي وهو الأصح، واختلف في اسمه واسم أبيه قبل اسمه مسلم وقيل يسار بن سبع، يقال أنه قاتل عمار سكن واسطًا وكان يفرط في حب عثمان، ابن سعد، محمد بن سعد الزهري، الطبقات الكبرى، (بيروت، 1957) ، (3/ 262) ، ابن عبد البر، الاستيعاب، (4/ 1582) .
(7) الفصل، (4/ 242) .
(8) ينظر للفائدة: سعيد الأفغاني، ابن حزم، ورسالة المفاضلة بين الصحابة، (ص158 - 161) .
(9) المولتان: هي بلدة في بلاد الهند على سمت غزنة، فتحت في عهد الوليد بن عبد الملك، ياقوت الحموي، معجم البلدان، (5/ 227 - 228) .
(10) المنصورة: وهي بأرض السند سميت نسبة إلى المنصور بن جهور عامل بني أمية مؤسسها، وقيل أنها سميت نسبة إلى الخليفة العباسي المنصور، ياقوت الحموي، معجم البلدان، (5/ 211 - 212) .
(11) مهرة: مدينة في جنوب شبه الجزيرة العربية، بينها وبين عمان شهر وكذلك بينها وبين حضرموت، ومهرة من قبائل اليمن، ياقوت الحموي، معجم البلدان (5/ 234) .
(12) المصامدة: نسبة إلى قبيلة بالمغرب الأقصى، فيه موضع يعرف بهم، الحموي، معجم البلدان، (5/ 136) .
(13) الأشبونة: وهي مدينة بالأندلس، قريبة من المحيط اشتهرت في العصور الإسلامية بالعنبر، ياقوت الحموي، معجم البلدان، (1/ 195) .
(14) أرمينية: اسم لأقليم عظيم في شمال العراق وخراسان، كانت بلاد واسعة تضم مدن وقرى عديدة، ياقوت الحموي، معجم البلدان، (1/ 159 - 161) .
(15) الفصل، (5/ 13 - 14) .