وقوته كل شغب المعتزلة في أن أفعال العباد غير مخلوقة لله عز وجل فنأت ببرهان ضروري إن شاء الله تعالى على صحة القول أنها مخلوقة لله تعالى [1] ، وهكذا يبدأ بإيراد الأدلة على ذلك، والملاحظ على أسلوبه، الوضوح في اللفظ، والابتعاد عن التعقيد، الأمر الذي لا نجده عند معظم الكتاب الآخرين في هذا المجال، فعلى سبيل المثال عند مقارنة ما كتبه الشهرستاني حول موضوع"هل المعدم سيئ أم لا [2] ، وبين ما كتبه ابن حزم في الموضوع نفسه نرى بوضوح الفرق في الأسلوب عند كلا المفكرين."
وقد يزاوج بين أسلوب المحدثين والمتكلمين في سبيل إيضاح الفكرة، فعند بحثه مسألة الاستطاعة يلجأ إلى الحديث النبوي لتوضيح معان غامضة - صلى الله عليه وسلم - قال: (فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم) [3] ، ويعلق ابن حزم على هذا الحديث:"فلو لم يكن هاهنا استطاعة لشيء مما أمرنا به قبل أن نفعل لما أمرنا به ولما لزمنا شئ من ذلك، ولكنا غير عصاة بالترك لأننا لم نكلف بالنص إلا ما استطعنا" [4] ، ونجده هنا يقرب مفهوم الاستطاعة للقارئ بأسلوب قريب الشبه بما يفعله المحدثون في كتبهم وربما لجأ إلى أسلوب الفقهاء للغرض نفسه فهو عندما يصل إلى قول بعض المعتزلة -وهو قول الإسكافي- [5] ، بأن الله تعالى لم يخلق العيدان ولا الطنابير ولا المزامير يرد ابن حزم، من ضمن ما يرد به عليه، هذا الافتراض:"... فلو حلف إنسان أنه لا يشتري طنبورًا، فاشتري خشبًا لم يحنث ولو حلف أن يشتري خشبًا فاشتري طنبورًا لم يقع عليه حنث لأن الطنبور في اللغة يقع على اسم الخشبة" [6] ، وهو بهذا يضع خصمه بزاوية ضيقة ثم يأتيه بدليل شرعي وهو قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [السجدة: من الآية4] . وبهذا يثبت ابن حزم كون الأشياء مخلوقة بنص القرآن [7] .
وربما لجأ ابن حزم في نهاية كلامه على بعض المسائل إلى تلخيص رأيه على شكل خلاصة مركزة وتقديمها للقارئ، فهو في بحثه لمسألة تكوين الكفر يستغرق صفحات فيها [8] . ويختمها بقوله:"فإذا جاءت النصوص كما ذكرنا متظاهرة لا تحتمل تأويلًا [9] بأن الله عز وجل أراد ضلال من ضل وشاء، وكفر من كفر، فقد علمنا أن كلام الله تعالى لا يتعارض، فما أخبر عز وجل أنه لا يرضى لعباده الكفر، فبالضرورة علمنا أن الذي نفى عز وجل هو غير الذي أثبت، فإذن لاشك في ذلك، فالذي نفى تعالى هو الرضا بالكفر، والذي أثبت هو الإدارة لكونه والمشيئة لوجوده، وهما معنيان متغايران بنص القرآن وحكم اللغة" [10] .
على أنه يستخدم الحدة التي عابها عليه الكثيرون، وهذا واضح في كتابه الذي جر إليه كثيرًا من النقد، والأمثلة على ذلك كثيرة، نأخذ مثلًا قوله:".... وتبًا لكل قول أدى إلى هذا الهوس البارد" [11] ، عند كلامه على الفرق بين الاسم والمسمى أو قوله لأحد خصومه بعد أن رد مقالته:"ولقد"
(1) الفصل، (3/ 132) .
(2) الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام تحقيق: الفرد جيوم (بغداد مكتبة المثنى، بلا. ت) (ص 150 - 163) ويقارن ذلك بما في الفصل (5/ 155 - 159) .
(3) الحديث رواه البخاري، الصحيح، (9/ 117) ، مسلم الصحيح، (2/ 975) ، ابن ماجه، السنن، (1/ 5) ، النسائي، السنن (5/ 110 - 111) .
(4) الفصل، (3/ 44) .
(5) هو محمد بن عبد الله الإسكافي (ت24هـ) من أئمة المعتزلة ومتكلميهم وأصله من سمرقند، سكن بغداد، وكان المعتصم معجبًا به إعجابًا شديدًا، اشتهرت عنه هذه المقولة التي ذكرها ابن حزم، ترجمته عند ابن النديم، الفهرست (ص231) ، الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، (5/ 416) ، الشهرستاني، المِلَل والنحل، (1/ 94) .
(6) الفصل، (3/ 188) .
(7) الفصل، (3/ 86) .
(8) الفصل، (3/ 179 - 188) .
(9) ينظر معنى هذه الكلمة عند ابن حزم في ملحق (3) من هذا البحث.
(10) الفصل، (3/ 118) .
(11) الفصل، (5/ 137) .