واضحًا، على سبيل المثال، عند مناقشته مسألة:"تكوين الكفر والفسق"فهو يستشهد بقوله تعالى: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:55] ، فابن حزم باستناده لهذه الآية يقول بأن الله عز وجل أراد أن يموتوا وهم كافرون، ودليله عليه بحث لغوي وهو أن"القاف في"تَزْهَق"َ مفتوحة بلا خلاف من أحد من القراء، معطوفة على ما أراد الله عز وجل"أن يعذبهم بها في الدنيا، والواو تدخل معطوف في حكم المعطوف عليه بلا خلاف من أحد في اللغة التي خاطبنا بها الله تعالى" [1] ، ونحن نجده هنا يستخدم اللغة كوسيلة مهمة من وسائل الإقناع بصواب قوله."
وربما فاجأنا ابن حزم ببحث لغوي مقارن، فهو عندما يناقش مسائل مثل الجسم أو العقل أو الجوهر، وغيرها من الألفاظ الدائرة بين المتكلمين، يتبين أن هناك مصطلحات تختلف باختلاف اللغات:"فإن لفظة العقل غريبة أتى بها المترجمون، عبارة عن لفظة أخرى يعبر بها في اليونانية أو في غيرها من اللغات، عما يعبر بلفظة العقل عنه في اللغة العربية، هذا ما لا خفاء به عند أحد، ولفظة العقل في لغة العرب إنما هي موضوعة لتمييز الأشياء واستعمال الفضائل فصح ضرورة أنها معبر بها عن عرض، وكل مرع خلاف ذلك رديء العقل عديم الحياء مباهت بلا شك" [2] ، ونرى من هذا أنه يحاول تمييز المدلول بين اللفظتين في العربية واليونانية، واحتمال التطابق الحرفي بين اللفظتين باختلاف اللغات أمر مستعبد وقع فيه بعض الناس فولد لهم ذلك تخبطًا، وأوقعهم في التباس كبير لم يستطيعوا الخروج منه [3] .
إضافة إلى مبحثه في العقل، بحث ابن حزم مصطلحات أخرى منها الخليفة والشرك والكفر وغيرها من المصطلحات [4] . ومما تقدم يتضح بجلاء الجهود الطيبة التي بذلها في هذا المجال، حيث أنه استفاد استفادة عظيمة من اللغة لبيان قيمة منهجه العلمي في مناقشة العقائد المختلفة، التي سادت الساحة الفكرية الإسلامية آنذاك، وبذلك يكون ابن حزم أول من اهتم بهذه النقطة من العلماء المسلمين فيما وصل إلينا من مصادر، الأمر الذي يعطينا تقييمًا حقيقيًا لنتاجه هذا وإبداعه فيه [5] .
الأسلوب
قبل الحديث عن توظيف ابن حزم للأسلوب في منهجه العلمي بدارسة العقائد بالإمكان تثبيت الأمور الآتية:
1 -كان له أسلوب واضح مميز يستطيع أن يعرفه كل من قرأ كتبه.
2 -الإطناب في البحث وكثرة الاستشهاد.
3 -سهولة اللفظ، وانسياب العبارة من دون أن تحس بعناء كبير وأنت تقرأ نتاجه.
والأمثلة على ذلك كثيرة، منها مناقشته المعتزلة في مسألة خلق أفعال العباد، من جميع الوجوه وتستغرق صفحات كثيرة [6] . وعند انتهائه من هذه المهمة يقول ابن حزم:"قد أبطلنا بحول الله"
(1) الفصل، (3/ 188) .
(2) الفصل، (5/ 200) ، وينظر: س. بينس مذهب الذرة عند المسلمين وعلاقته بمذاهب اليونان والهنود، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة (القاهرة، 1946) ، (ص5) .
(3) أبو زهرة، ابن حزم، (ص225) .
(4) ينظر محلق (3) من هذا البحث.
(5) للمزيد من التفاصيل ينظر:
علي محمد فرغلي، ابن حزم الأندلسي وأثره في الفكر الإسلامي، مجلة الحضارة الإسلامية (1996) (ع2) (ص236 - 239) .
(6) الفصل، (3/ 82 - 132) .