وعند أخذ نموذج لهذا الجانب، يتبين لنا اهتمام ابن حزم الواضح فيه، فهو عندما يبحث مسألة القدر، يبدأ بتعريفه لغويًا، فيقول:"والقدر في اللغة العربية الترتيب والحد الذي ينتهي إليه الشيء"
[1] ، والأمثلة على ذلك قوله تعالى:"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" [القمر:49] ، يريد تعالى: برتبة وحد" [2] ."
وهكذا يحدد مفهوم هذه اللفظة ليصل إلى تعريف سرعان ما يسيطر به على فكر القارئ:"ومعنى القضاء والقدر حكم الله تعالى في شئ بحمده أو ذمه أو تكوينه أو ترتيبه على صفة كذا إلى وقت كذا" [3] ، وأنت ترى في هذا بحثًا لغويًا لا ينسى فيه أن يرد شبه الخصوم، لأنه ينبه على أن البعض ظنوا أن كثرة استعمال المسلمين هاتين الفظتين، بأنها تعي معنى الإكراه والإجبار وهذا -بنظره- هو الباطل عينه [4] .
لأن المجبر في اللغة:"هو الذي يقع منه الفعل بخلاف اختياره وقصده فأما من وقع فعله باختياره وقصده فلا يسمى في اللغة مجبرًا" [5] ، وهكذا يتضح بجلاء أن مهمته لم تكن مقتصرة على عرض آراء العقائد ومقالات الفرق، بل إنه حريص على توضيح الحقيقة كاملة للقارئ، لكي يتبين له ماهية هذه الألفاظ ومدلولها اللغوي مما قاده إلى الاستعانة بلعوم اللغة المختلفة والمتشبعة، ونرى ذلك
(1) الفصل، (3/ 77) .
(2) الفصل، (3/ 77 - 78) .
(3) الفصل، (3/ 78) .
(4) الفصل، (3/ 77) .
(5) الفصل، (3/ 35) .