ومما يلي عن الميت أيضًا التأسّي بالأكابر، وكثرة من مات لهم، ولم يجزعوا، بل صبروا، فأوجروا، ورضوا وسلموا، فرضي عنهم، وسلموا من مُحبطات الأجور.
فلقد ماتَ في طاعونٍ كانَ في زمن ابن الزبير [1] . في سنة تسع وستين من الهجرة [2] ثلاثة أيام في كلِّ يوم سبعونَ ألفًا، ومات لعبد الرحمن بن أبي [بكرة] [3] فيه أربعون ابنًا [4] ،ومات فيه لأنس بن مالكٍ ثلاثةٌ وثمانون ابنًا، وقيل: ثمانيةٌ وسبعون ابنا [5] ، فصبروا وشكروا، وحمدوا واسترجعوا، فسلموا وأجروا.
وعن معاوية بن قرة بن إياس [6] عن أبيه رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقدَ بعضَ أصحابه، فسألَ عنهُ، فقالوا: يا رسول الله، بُنيَّه الذي رأيته هلك، فلقيهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فسأله عن بنيّة، فأخبره أنه هلكَ، فعزَّاه عليه، ثم قال: (يافلانُ، أيُّما كان أحبَّ إليك، أن تُمتَّعَ به عمرك، أو لا تأتي غدًا بابًا [7] من أبوابِ الجنّة
(1) هو عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو بكر (ت73هـ) ، فارس قريش في زمنه، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، بويع له بالخلافة سنة 64هـ. عقيب موت يزيد بن معاوية، فحكم مصر والحجاز واليمن وخراسان والعراق. كانت له مع الأمويين وقائع هائلة، قتل في مكة. الأعلام: 4/ 87.
(2) في المعارف: 259، وتاريخ الطبري: 6/ 325، وتاريخ ابن خياط: 265، والعبر: 1/ 76:"سمي هذا الطاعون بالطاعون الجارف". وجاء في تاريخ الطبري: 6/ 325 أنه وقع سنة 80 للهجرة.
(3) هو عبد الرحمن بن أبي بكرة،"نفيع بن الحارث"الثقفي، من أعيان التابعين، استخلفه زياد أمير البصرة على بعض أعمالها، وتوفي فيها سنة 96هـ. الأعلام: 3/ 302.
(4) التعازي والمراثي: 209، وسلوة الحزين: 81.
(5) في سلوة الحزين: 81،"ثلاثة وثلاثون. وفي إحدى المخطوطات: 83، والتعازي والمراثي: 209، وفي تاريخ ابن خياط: 265، قال:"مات فيه أولاد لأنس بن مالك كثير عددهم"."
(6) هو معاوية بن قرة بن إياس.
(7) في الأصل: بابًا إلا وجدته، والمثبت من النسائي: 4/ 118.