14 ـ قال: وسمعت أنسَ بنَ مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لروْحةٌ في سبيلِ الله أو غدوةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوسِ أحدِكم من الجنة أو موضعُ قِيدٍ ـ يعني سَوْطَه ـ خيرٌ من الدنيا وما فيها. ولو أن امرأةً من أهلِ الجنة اطَلعتْ إلى أهل الأرضِ لأضاءتْ ما بينهما ولَمَلأتْه ريحًا، ولَنَصيفُها على رأسِها خيرٌ من الدنيا وما فيها".
قوله (يَحار فيها الطرفُ) ، أي: يحصُل للشخصِ الحَيْرةُ من شِدّةِ جمالِها، ولا يستطيعُ الطرفُ أن يُحيطَ بهذا الجمالِ.
(والطرفُ) : العينُ والبصرُ والنظرُ.
ولكن هذا ليس تفسيرًا لكلمة (الحُور) فهي ليستْ من الحَيرة وإنما من الحَوَر. والحَوَر: هو شِدّةُ سوادِ العينِ مع بياضِ ما حولَ هذا السوادِ بياضًا شديدًا.
(والحُور) جمع حَوراء. وأما (العِينُ) جمع عَيْناء، وهي: واسعةُ العينِ جميلةُ العينِ.
ثم قال: (شديدةُ سوادِ العَين، شديدةُ بياضِ العَين) بيانًا للمعنى الذي اشتقت منه كلمة (الحُور) ثم قال ( ...: أنكحناهم) ، يعني: تفسيرَ قوله تعالى: ... يقول: أنكحناهم. لأن التزويجَ يُرادُ به النكاحُ ويرادُ به الجمعُ اثنين اثنين. والمراد به هنا النكاح. يعني: يحصلُ لهم الاستمتاعُ الذي هو من النكاحِ.
ثم ذكر حديثَ أنس وفيه (ما من عبدٍ يموتُ له عند الله خيرٌ يسره أن يرجعَ إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها) ، يعني: أن الذي يرى كرامةَ الله - عز وجل - في الآخرة من أيِّ العبادِ كان إذا كانَ من أهل الكرامةِ والخيرِ من الله، فإنه لا يمكنُ أن يريدَ أن يرجعَ إلى الدنيا بحالٍ من الأحوالِ ولو مُنِحَ له كلُّ ما في الدنيا
وهذا كما دلَّ عليه الحديثُ المشهورُ أنه يؤتى بأَبْأَسِ أهلِ الأرض وهو من أهلِ الجنة فيُغمَسُ في الجنة غمسةً فيقال له: هل رأيتَ بؤسًا قط؟ فيقول: لا، والله ما رأيتُ بُؤسًا قط.
فإذا كانتِ الغمسةُ الواحدةُ في الجنة تُنْسي أبأسَ أهلِ الأرضِ ما رآه من بؤسٍ في هذه الدنيا؛ فكيف بمن يمكثُ في الجنة ويرى الخيرَ العميمَ من الله - عز وجل -؟ لا شك أنه لا يُرِيدُ أن يرجعَ إلى هذه الدنيا ولو مُنِحَتْ له كلُّها. إلا واحدٌ فقط هو الذي يَسُرّهُ أن يرجعَ إلى الدنيا وهو الشهيدُ لما يرى من فضلِ الشهادةِ. لماذا؟ لأنه رأى كرامةً عظيمةً جدًا بسببِ شهادته فيتمنى لو يرجعُ إلى الدنيا فقط لأجلِ أن يُقتَلَ مرةً أخرى في سبيلِ الله فيتحَصَّلُ على هذا الأجرِ العظيمِ. وهذا المعنى وَرَدَ في أحاديثَ كثيرةٍ منها:
حديثُ جابرٍ - رضي الله عنه - عندما كَلَّمَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وذكرَ له أن الله - عز وجل - كلم أباه كفاحًا وقال له: (تمن) فقال: أرجعُ إلى الدنيا لأقتلَ في سبيلِك. أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -.