الصفحة 38 من 80

لقد كانت روما في نظر الأوروبيين هي العَظَمَةُ والعلم والتقدم، فلما دخلتها المسيحية أصبحت هي أيضًا العاصمة المقدسة ويمكن تبسيط الصورة:

روما العظيمة + روما المقدسة = روما العظيمة المقدسة رمز الوحدة الأوروبية ومع الوقت ستفقد روما خصائصها مثل كل الحضارات فلا النشاط والمبادرة ولا الجند والحرب سيبقيان ولو وضعنا ذلك في معادلة أخرى لظهرت بهذا الشكل:

روما العظيمة المقدسة - النشاط والمبادرة - القوة العسكرية = روما الكسولة غير المحاربة المعتمدة على الشرق في الغذاء وعلى البرابرة لحماية حدودها. (لاحظ علامة الطرح [-] وعلامة [=] )

والباقي هو تحصيل حاصل فبجمع المعادلتين سنكون أمام روما المنهزمة التي تسقط تحت يد البرابرة (جنودها المرتزقة سابقًا) .

ثم تبدأ مرحلة التفتت لتظهر فرنسا، وأسبانيا، وإيطاليا، ثم يأتي شارلمان 800م لمحاولة إعادة حلم الوحدة فيوحد الإمبراطورية ثانية لفترة قصيرة ومع شارلمان نقف قليلًا للتأمل، فلا شك أن الوحدة السياسية أمر عظيم ولكن اقتصاد بلاده كان اقتصادًا قرويًا يعتمد على القرية والزراعة فيها، وهو ما سيعرف بالإقطاع أو الاقتصاد الموضعي ويمكن صياغة المعادلة كالتالي:

العظمة السياسية [ممثلة في الوحدة + الاقتصاد المجزأ (القروي) ] = السقوط والتفتت للدولة ثانية، فالأعمال العظيمة تحتاج إلى موارد عظيمة واقتصاد قوي. وهو أمر لا يوفره الاقتصاد الريفي المتواضع. فكانت النتيجة الحتمية سقوط الدولة وتفتتها. لكن حلم الوحدة سيظل عميقًا في أوروبا، فرغم كل الأهوال التي ستمر بها أوروبا من حروب طاحنة ومشاحنات داخلية دائمة كما سنرى لاحقًا. فإن الحلم ظل قائمًا إلى القرن العشرين ليتمثل في تحالف عسكري ووحدة اقتصادية اندماجية لها ما بعدها ألا وهي الوحدة الأوروبية المرتقبة.

البذرة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت