الصفحة 25 من 80

إنه تقاطع تاريخي عميق بين الشرق الإسلامي والغرب، على مساحة الأرض، وعلى مساحة الفكر والتوجيه والقيادة. أمتان، ومشروعان يتدافعان بسبب طبيعتهما. فعلى الجانب الإسلامي أمة سادت الدنيا لمدة عشرة قرون (622م - 1566م) منها ستة قرون تبدأ من القرن السادس إلى الثاني عشر وسيادتها شبه كاملة لا يطمع فيها طامع، وأربعة قرون كانت لها فيها الكلمة الفاصلة وهي ترد الحروب الصليبية منكسرة وتدخل إلى قلب أوروبا لا تلوي على شيء. وعلى الجانب الآخر تقف أوروبا اليوم بكتلتها البشرية العملاقة، وإرثها الديني والوثني، مدججة بمبتكرات القرون الثلاثة الأخيرة الحاسمة في العلم وتطبيقاته، لتنتصر لهزائمها في عشرة قرون، وتسود العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولا تعتقد بوجود المقاومة والاستعصاء، إلا فيما أسمته بالخطر الأخضر، هذا الجزء من العالم الذي يبدو مستعصيًا لسبب أو لآخر على الذوبان، في حضارة المنتصر.

ويجب أن نسجل هنا بعض القضايا الهامة:

1-إن كل الحضارات إنما قامت في مكان متقارب حول البحر الأبيض المتوسط فهي ليست حضارات متباعدة. وإن ادعاء أن إبداعها خالص غير متأثر بالآخرين أمرٌ تنقصه العلمية. فقد كان الاتصال فيما بين هذه الحضارات في الحرب والسلم كان قائمًا فالتلاقح بينها كان مستمرًا.

2-إن سبعًا منها هي حضارات شرقية، فالشرق هو منبت الحضارات على سبيل الحقيقة لا على سبيل الاستعلاء الجغرافي، وهو الأغزر إنتاجًا في مجالات عدة. ولقد عرفت أقدم هذه الحضارات - وهي الحضارة المصرية - الهندسة والمعمار وفنون الزراعة والري والطب، وكونت لها فلسفة حول الإله والبعث والحساب، وكتبت، ونقشت، ولونت. بينما اختفى الغرب عن الخارطة الحضارية، حتى ظهور الحضارة اليونانية. فادعاء أن العلم بدأ في الغرب اليوناني غير صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت