فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 268

وإنه لمن العَجيبِ حقًا أن هذه الصفات ، هي نفسُها صفاتُ نَدِيمه وصديقِه في الجاهلية ، أبي بكرٍ الصديق (71) ، فقد وصَفَهُ بذلك ابنُ الدغنة عندما همَّ بالهجرة . فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: خرج أبو بكرٍ مهاجرًا نحوَ أرضِ الحبشة ، حتى إذا بلغَ بَرْكَ الغَمادِ ، لقيه ابنُ الدغنة وهو سيدُ القارّة ، فقال: أين تريدُ يا أبا بكرٍ ؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريدُ أن أسيحَ في الأرضِ ، وأعبُدَ ربي . فقال ابن الدغنة: فإن مثلَكَ لا يُخرَجُ ؛ إنك تكسِبُ المعدومَ ، وتَصِلُ الرحمَ ، وتحملُ الكَلَّ ، وتُقري الضيفَ وتُعين على نوائبِ الحق .... الخ حديث الهجرة (72) .

ففي هذه القصةِ ، بيانُ حسنِ اختيارِه ( لنَدِيمِه ، وفيها دلالةٌ خَفِيَّةٌ على قُوَّةِ تأثيرِ شخصيته ( فيمَنْ يُلازِمُه ، كما سيأتي نحوُه مع زيدِ بنِ حارثةَ عندما نهاه عن مَسْحِ الأصنامِ . وهذا مصداقُ قوله (:"الرجلُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم من يُخالِلْ"(73) .

ومن مظاهرِ اجتماعِيَّتِه ( ، اشتراكُه مع قومِه في بناءِ الكعبةِ ، يحمِلُ معهم الحجارةَ كفَرْدٍ منهم ، وما ظهرَ في ذلكَ من صفةِ الحياءِ التي كان يتحلّى بها ( ، ومن مجاراتِه لبعضِ أفعالِ قومِه التي تَدَخَّلَ التوفيقُ الإلهيّ لإبعادِه عنها .

فعن جابرٍ ( قال: لما بُنِيَتْ الكعبةُ ذَهَبَ النبي ( والعباسُ ينقُلانِ الحجارةَ ، فقال العباسُ للنبيِّ (: اجعلْ إزارَكَ على رَقَبَتِكَ يَقِكَ من الحجارةِ . فخرَّ إلى الأرضِ وطَمَحَتْ عيناه إلى السماء ، ثم أفاقَ فقال:"إزاري إزاري ، فشدَّ عليه إزارَه"(74) .

وفي قصةِ وضعِه للحجرِ الأسودِ التي ذكرناها في أمانته ( دلالةٌ على شَرَفِه ، وعُلُوِّ منزلَتِه في قومِه ، على صِغَرِ سِنِّهِ ، لأنهم ما كانوا ليُحَكِّموا فيهم ، ويَكِلُوا أمرَ وَضْعِ الحجرِ في مكانه إلا لرجلٍ له من الشَّرَفِ والمنزلة العاليةِ مكانةٌ رفيعةٌ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت