وعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ أو رجلٍ من الصحابةِ قال: كان النبيُّ ( يرعى غنمًا ، ثم كان يرعى الإبلَ مع شريكٍ له ، فأَكْرَيا أختَ خديجةَ ، فلما قَضَوا السفرَ بقيَ لهم عليها شيءٌ ، فجَعَلَ شريكُه يأتِيهم يتقاضاهم ، فيقول له: محمد ، انطلِقْ . فيقول: اذهبْ أنتَ فإني أستحيي . فقالت له مرةً - يعني للشَّرِيكِ - وأتاهم: أين محمدُ لا يجيءُ معكَ ؟ قال: قد قُلتُ له فذكرَ أنه ليستحيي . قال: فذكرَتْ ذلكَ لأختِها خديجةَ فقالت: ما رأيتُ قطُّ أشدَّ حياءً ، ولا أعفَّ من محمد ( ، فوقعَ في نفسِ أختِها خديجة ... فذكرَ قصةَ زواجِه منها(60) .
وكان رسولُ الله ( قَنوعًا من جهةِ النساءِ ، فإنه لم يتزوَّجْ غيرَ خديجة ، حتى قاربَ الخمسينَ من عمره ، على الرَّغمِ من كِبَرِ سِنِّها وكونها ثيبًا .
فعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال لعائشةَ رضي الله عنها - في وفاتها يُعَدِّدُ لها مناقبَها - ولم ينكح - أي النبيُّ ( بكرًا غيرَك(61) .
وذاتَ مرَّةٍ غارتْ عائشةُ من خديجةَ فقالت للنبيِّ (: ما تذكُرُ من عَجوزٍ من عجائِزِ قريش حمراءِ الشَّدقَيْنِ هَلَكَتْ في الدَّهْرِ(62) .
وكانتْ شخصيةُ النبيِّ ( في تلكَ المرحلةِ ، شخصيةً اجتماعيةً لأبعَدِ الحدودِ ، وكانت علاقتُه بمجتَمَعِه طيبَةً ، لا يعكِّرُها شيءٌ من المشاحَناتِ والمنازَعاتِ ، فلم يُحفَظْ عنه أنه أنكَرَ عليهم شيئًا مما يفعلونَه ، بل كان رجلًا منهم ، يتنقَّلُ في أسواقِهم كما قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ?( الفرقان: 7 ) ، ويشاركُهم أعيادَهم واجتماعاتِهم ، وأعمالهَم وعباداتِهم ، وطعامَهم وعاداتِهم ، إلا ما كان يشعُرُ في داخلِه برفضٍ له ، ولكنه لم يجاهِرْهُم بذلك ، وكان الأصلُ الأصيلُ في هذا الرفضِ هو التوفيقَ الإلهي .