فمن هذا الحديثِ يتبيَّنُ لنا كيفَ كانتْ عِفَّتُه ( ، فعلى الرَّغم من طبيعةِ أهلِ الجاهليةِ ، وانتشارِ الفاحشةِ فيهم ، من غيرِ نكيرٍ ، بل إنها أخذَتْ صورًا رسميةً وأصبحتْ نوعًا من أنواعِ النكاحِ ، كما قدَّمْنا في أحوالِ البيئةِ التي نشأ فيها ( ، لم يهم ( بشيءٍ من ذلك ، في خلالِ أكثرَ من خمسةٍ وعشرين عامًا ، إلا هاتينِ المرَّتين . ولعلَّ الحكمةَ في تحديثِه نفسَه بذلك إثباتَ كمالِه الخلقي ، واستعداداتِه الطبيعية ، وميولِه الفطرية ، ولا يخفى على القارئ ما يبدو من النصِّ من عَدَمِ حِرْصِه على ذلك ، لأنه انشغل عنه بأمرٍ هَيِّنٍ ، لا ينشَغِلُ به حريصٌ على ذلك .
وأيضًا في هاتين القصَّتَينِ بيانُ تدَخُّلِ العنايةِ الإلهية ، التي حَمَتْ النبيَّ ( من التَّطبيعِ الاجتماعيِّ ، الذي أشَرْنا إليه في التمهيدِ ، وبالأخصِّ فيما يُسْتَبْشَعُ في حقِّ المصطفى للنُّبُوَّةِ كهذه الحالة .
واتَّصَفَتْ أيضًا شخصيتُه ( في تلك المرحلةِ بصفاتٍ ساميةٍ منها:
ـ الصدقُ والأمانةُ والعفافُ:
ففي حديثِ أمِّ سلمة رضي الله عنها في الهجرةِ إلى الحبشة ، قال جعفرُ مخاطِبًا النجاشيَّ: كنا قومًا أهلَ جاهليةٍ نعبدُ الأصنامَ ، ونأكلُ الميتةَ ، ونأتي الفواحشَ ، ونقطعُ الأرحامَ ، ونسيءُ الجوارَ ، ويأكل القويُّ منا الضعيفَ ، فكنا على ذلك حتى بعثَ الله إلينا رسولًا منا نعرفُ نَسَبَه وصِدقَه وأمانته وعفافه ... الخ الحديث (55) .
وكانوا من شِدَّةِ أمانتِه ، يُسَمّونه الأمين . ففي قصةِ اختلافِ قريشٍ في وضعِ الحجرِ الأسودِ عندَ بناءِ الكعبةِ ، من رواية عبدِ الله بنِ السائبِ ( ، قال: فقالوا: اجعلوا بينَكم أولَّ رجلٍ يدخل من الباب ، فدخل رسولُ الله ( ، فقالوا: هذا الأمينُ ، وكانوا يسمُّونه في الجاهلية الأمين ...فذكر القصةَ(56) .