فعنْ أبي هريرة ( عن النبيِّ ( قال:"ما بعثَ الله نبيًا إلا رعى الغنمَ ، فقال أصحابًه: وأنت ؟ فقال: نعم ، كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهلِ مكةَ"(51) .
قال الحافظُ ابنُ حَجَرَ: [ قال العلماءُ: الحكمةُ في إلهامِ الأنبياءِ رعيَ الغنمِ قبلَ النُّبوةِ ، أن يحصُلَ لهم التمَرُّنُ برَعْيِها على ما يُكَلَّفُونَه من القيامِ بأمرِ أُمَّتِهِم ، ولأنَّ في مخالطتها ما يُحَصِّلُ لهم الحِلمَ والشَّفَقَةَ ، لأنهم إذا صبروا على رعيِها ، وجمعِها بعد تفَرُّقِها في المرعى ، ونقلِها من مسرحٍ إلى مسرح ، ودفعِ عدوِّها من سَبُعٍ وغيرِه كالسارِق ، وعلموا اختلافَ طباعِها، وشدةَ تفرُّقِها مع ضَعفِها واحتياجِها إلى المعاهَدَةِ ، ألِفُوا من ذلك الصبرَ على الأمَّةِ ، وعرفوا اختلافَ طباعَها ، وتفاوتَ عقولها ، فجبروا كسرَها ، ورفقوا بضعيفها ، وأحسنوا التعاهدَ لها ، فيكون تحملُهم لمشقةِ ذلك أسهلَ ، مما لو كُلِّفوا القيامَ بذلك من أوَّلِ وهلةٍ ، لما يحصلُ لهم من التَّدْريجِ على ذلك برعْيِ الغنم . وخُصَّتْ الغنمُ بذلك لكونها أضعفَ من غيرها ، ولأن تفرُّقَها أكثرُ من تفرُّقِ الإبلِ والبقرِ ، لإمكانِ ضَبطِ الإبلِ والبقرِ بالرَّبْطِ دونها في العادةِ المألوفةِ ، ومع أكثريةِ تفرُّقِها فهي أسرعُ انقيادًا من غيرِها . وفي ذِكْرِ النبي ( لذلكَ بعدَ أن عَلِمَ كونَه أكرمَ الخلقِ على الله ، ما كان عليه من عظيمِ التواضعِ لربه ، والتصريحِ بمنتِه عليه ، وعلى إخوانِه من الأنبياءِ صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء(52) .
ولم يتركْ النبيُّ ( رعيَ الغنمِ حتى بعثه الله ، مما جعلَه يَتَشَرَّبُ تلكَ الصفاتِ .
فعنْ نصرِ بنِ حَزَن عن رسول الله ( قال:"بُعِثْتُ وأنا أرعى غنمًا لأهلي بأجياد"(53) .