وإن من ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إن كان عابدا زاهدا لازمه الإثم ، و لا يسقط ذمه وتوبيخه بترك الواجب الإلهي وليعلم أنه هو أولى بتغييره من غيره ، لأن الناس قد يظنون أن هذا الإنطواء على النفس هو الدين فهو يسيء من وجهين: من وجه تركه الفريضة ، ومن وجه ثاني: اقتداء عوام الناس من المسلمين به على هذا الخذلان وتذرع الفجرة والفسقة وأهل الكبائر والإجرام بفعله في تبرير معاصيهم بدعوى: أن فلانا أعبد وأزهد منكم و هو لا يأمر الناس بالمعروف ولا ينهاهم عن المنكر ، وأزيد على هذا كله يجب على العالم ما لا يجب على الجاهل من العلم والعمل صدق عن على بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: [قصم ظهري رجلان جاهل متنسك وعالم متهتك] فيما رواه الدا رمي موقوفا عنه و قد قيل:"فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون".
قال ابن القيم (عدة الصابرين(ج1/ص 121) : وليس الدين أنزل لترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله، وأكثر الديانين لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عموم الناس، و أما الجهاد والأمر بالمعروف و النهى عن المنكر والنصيحه لله و رسوله وعباده و نصرة الله ورسوله ودينه وكتابه فهذه الواجبات لاتخطر ببالهم فضلا عن أن يريدوا فعلها و فضلا عن أن يفعلوها، و أقل الناس دينا و أمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات و إن زهد في الدنيا جميعها، وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته و يبذل عرضه في نصرة دينه وأصحاب الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء،و قد ذكر أبو عمر و غيره أن الله تعالى أمر ملكا من الملائكة أن يخسف بقريه فقال: يارب ان فيهم فلانا العابد الزاهد قال به فابدأ و أسمعنى صوته إنه لم يتمعر وجهه في يوم قط ( انتهى كلامه القيم ) .