الصفحة 65 من 98

• بركة إقامة الحدود عند القدرة وإثم من عطلها عند القدرة: [1]

(1) . وقد بين الشيخ عطية الله الليبي-رحمه الله- مفهوم القدرة في إقامة الحدود (يجب على المسلمين أن يقيموا الدين وأحكام الله تعالى في أنفسهم ومجتمعهم وما تحت ولايتهم على قدر استطاعتهم، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء بين الناس بشريعة الله تعالى، والجهاد في سبيل الله، وإقامة السلطة والإمارة التي تلتزم بدين الله وتحكم بشريعته وتنفّذ تلك الأحكام وتقوم عليها وتحرسها وتسوس الدنيا بالدين.

فإن عجزوا عن البعض تركوه إلى حين القدرة، وفعلوا ما يمكنهم.

ومما يدخل في معنى العجز: أنك تقدر على تنفيذ شيء من الأحكام لكنك تكون تعرفُ أنه ينشأ عن ذلك مفسدة كبيرة وضرر كبير ومنكر كبير على المسلمين أكبر من منكر تركِ تنفيذ وتطبيق تلك الأحكام.

ففي هذه الحالة فإنك في الحقيقة عاجز عن تطبيق الحكم، غير قادر.

فليس المقصود بالقدرة مجرد القدرة على الفعلِ وتطبيق الحكم في الحين واللحظة، وليحصل بعدها ما يحصل من المفاسد والمنكرات والأضرار الكبيرة الراجحة على المنكر الذي كانَ ... !

لا ... !

ليس هذا هو معنى القدرة.

بل معنى القدرة أنك تطبّق الحكم وتنفّذه وتمضيه كما أمر الله بكل معناه، فتحصّل المقصود منه، من الصلاح الديني الأخروي ثم الدنيويّ، دون ضرر وفساد أكبر راجح.

ومقياس هذه المصالح والمفاسد يُرجع فيها إلى الفقه والشريعة، وينظر فيها الفقهاء الموثوقون، ويتشاور معهم في تقدير المشتبِه منها الأمناءُ من أهل الحل والعقد في كل ناحية.

فإذا أخذ الإخوة بأسباب العلم النافع وسؤال أهل العلم وأهل الرأي والشورى وحسن المدارسة، مع التقوى والصدق والإخلاص والتجرّد، فوالله لن يروا إلا الخير والفلاح، إن شاء الله.

قال الله تعالى: (فعلمَ ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبا)

وقال عز وجل: (إن يعلمِ الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرًا مما أخِذ منكم ويغفر لكم)

وقال تعالى: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا)

وقال تعالى: (ومن يتقِ الله يجعل لهم مخرجا) (ومن يتقِ الله يجعل له من أمره يسرًا) .

والسياسة عندنا نحن المسلمين لا تنفصل عن الدين، بل هي من الدين ومنضبطة بالدين وخاضعة لأحكامه وحدوده، وهي السياسة الشرعية التي مبناها على عدم مخالفة الشريعة، بمعنى فعل الأصلح في حدود ما أذن الله تعالى، فشرطها إذن ألا تخرج عن حدود الله فلا تخالف حكم الله تعالى.

فإن خالفت حكم الله عز وجل المتقرر المعروف، كانت سياسة شيطانية فاسدة خارجة عن الدين، وهي سياسة الكفرة والملحدين، لا سياسة المسلمين.

فالحاصل أن الإخوة عليهم أن ينظروا في المناسب بحسب هذه الضوابط، ويتعاونوا ويتياسروا ولا يتعاسروا، ويتطاوعوا ولا يختلفوا، وليعلموا أن يدَ الله مع الجماعة، وأن الله تعالى أمر المسلمين المؤمنين بالوحدة والائتلاف ونهاهم عن الفرقة والاختلاف، وأن الخلافَ شر.

فلا يخالف المسلم جماعة إخوانه المسلمين المتآلفين المجتمعين على طاعة الله ورسوله وعلى الخير، إلا إذا رأى خلافًا لأمر الله تعالى في شيء مستيقَنٍ معلومٍ، لا أمرٍ اجتهاديّ محتمَل موكول فيه التصرفُ إلى أهله.

وليكن الخلاف -حين يكون لابدّ منه في الأمر المستحق والمستيقَن كما قلنا- خلافًا ملتزمًا بحدود الله تعالى وبما أمرنا عز وجل من الأدب والعدل والقيام بالقسط، لا فجور فيه ولا خيانة ولا بذاءة وسوء خلق، فمن كان وفاقه لأجل الله، وخلافه لأجل الله، وعلى بصيرةٍ ونورٍ من الله، فهو المفلح الفائز وليستبشر بنصر الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم) .

والله أعلم.) لقاء الحسبة ص 103

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت