الصفحة 64 من 98

إن إقامة الحدود مقترنة بالقوة والتمكين قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: (ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم. وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة) 28/ 390.

فإذا وجدت القدرة الشرعية مع عدم وقوع مفسدة أعظم فإنها تقام فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: (وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع والضعيف ولا يحل تعطيله؛ لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما ولا تحل الشفاعة فيه. ومن عطله لذلك -وهو قادر على إقامته -فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنا قليلا. وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره. ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع. ومن قال في مسلم دين ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال) . قيل يا رسول الله: وما ردغة الخبال؟ قال: (عصارة أهل النار) فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحكماء والشهداء والخصماء وهؤلاء أركان الحكم) [1] 28/ 298.

(1) . وهنا مسألة هامة يحسن بنا أن نشير إليها وهي مسألة إقامة الحدود في مناطق فيها نوع تمكين ولكنه غير تام فأقول:

كثر الكلام في هذه المسألة في هذه الأيام والناظر في كلام المجيزين أو المنكرين لإقامة الحدود والعقوبات اليوم في المناطق التي فيها تمكين غير تام كالمناطق المحررة من النظام النصيري يجد أن مدار كلام الطرفين (المانع والمجيز) على المصلحة المرجوة من إقامة الحد أو تأجيله أو المفسدة المترتبة على الفعل أو التأجيل وهذا ا?مر إنما يُفْصل فيه بعد النظر في حال تلك المناطق التي يسأل عنها فلا تستطيع تعميم وإطلاق الحكم بالمنع أو الجواز

والناظر في واقع كثير من المناطق المحررة اليوم يجد كثيرا من الجرائم التي لا يمكن السكوت عنها ولا مفسدة راجحة في معاقبة مرتكبها بإقامة الحد أو العقوبة عليه مع القدرة على إقامتها بطريقة منضبطة بضوابط الشرع كجريمة سب النبي صلى الله عليه وسلم أو الحرابة أو ا?غتصاب أو القتل وما شابه ذلك

ففي إقامة العقوبة الشرعية على أمثال هؤلاء في هذا الحال خير عظيم وتحقيق للمقصد الذي قمنا من أجله وهو الدفاع عن الإسلام وأهله

فالتعميم بالإجازة أو المنع في هذه المسألة بلا ضوابط ونظر في الواقع أمر غير مقبول فلا بد من التفصيل والنظر في دفع أكبر الضررين وتحصيل أعظم المنفعتين وأذكر هنا كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم _قدس الله روحيهما_ يشير لذلك

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: (فصل: خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا كقوله:(والسارق والسارقة فاقطعوا) وقوله: (الزانية والزاني فاجلدوا) وقوله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) وكذلك قوله: (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه والعاجزون لا يجب عليهم وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد؛ بل هو نوع من الجهاد

وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه. والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه. فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها فإنها من"باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه. والله أعلم.) مجموع الفتاوى 34/ 176

فجعل شيخ الإسلام -رحمه الله-إقامة الحدود نوعا من أنواع الجهاد وبابا من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يطبق عليه قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي ذكرها تلميذه ابن القيم -رحمه الله- في كتابه إعلام الموقعين 3/ 4: (فصل في تغير الفتوى واختلافها يحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد(بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد)

هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة

فإنكار المنكر أربع درجات:

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.

الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته

الثالثة أن يخلفه ما هو مثله

الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه

فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة) اهـ كلامه _رحمه الله_

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- (( فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به؛ بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته؛ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقل إن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام. وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعا؛ أو يتركوها جميعا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا من منكر؛ ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر. ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات وإن كان المنكر أغلب نهى عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف. ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر؛ وتارة يصلح النهي؛ وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة) مجموع الفتاوى 28/ 129 - 130

فالعبرة في هذا المسألة هو تطبيق الشريعة في هذه المناطق سواء كان بإقامة الحدود أو تأجيلها فإن كان تطبيق الشرع وإقامته وتحقيق أعظم المصلحتين ودرء أعظم المفسدتين بإقامة الحد فلا مانع من إقامته بالضوابط الشرعية وإن كان ذلك بالتأجيل أجلناه والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت