الصفحة 52 من 143

ولم يكن الخلاف الذي نشأ في المجتمعات الإسلامية - فيما بعد - حول موضوع النهضة أو التحرير أو الوحدة؛ بل حول المرجعية أو المنظومة التي تُنفذ من خلالها هذه الشعارات أو الحلول. هل هي المنظومة الثقافية الإسلامية، أم يجب استجلاب المنظومة الشيوعية أو المنظومة الرأسمالية للتحول؟ وما زال هذا الصراع في المجتمعات الإسلامية على أشده حول هذه المرجعية. هل يقوم بناء النهضة والتحرير والوحدة على أرضية الإسلام أم يقوم على أرضية المنظومة الغربية بعد أن سقطت المنظومة الشرقية؟

وبغض النظر عن هذا الخلاف القائم، فستظل هذه القضايا الثلاث - التخلف الذي تقابله فكرة النهضة، والاستعمار الذي تقابله فكرة التحرير، والتفتيت الذي تقابله فكرة الوحدة - هي محور الصراع إلى يومنا هذا، وحتى يشاء الله.

وتُثار في الأذهان الكثير من التساؤلات حول السبب الأصيل في نكسات أمتنا وانكساراتها. هل هو الاستعمار أم التخلف أم الفرقة والتمزق؟ ولماذا نلقي بتبعات أعمالنا على الآخر دائمًا ونكيل إليه الاتهامات حول هزائمنا ونكساتنا؟

وتستخدم هذه الذريعة أو هذا المنطق في إسكات كل صوت يشير إلى الاستعمار كسبب أصيل في مشكلة العالم الإسلامي.

أما التخلف فهو ظاهرة تسبق الاستعمار. وسنتناول هذه الظاهرة وأسباب ظهورها في مجتمعاتنا الإسلامية - بشيء من التفصيل - في مشهد لاحق.

وظاهرة الاستعمار والتي كانت الوجه الآخر لظاهرة التخلف - بمعنى أن المجتمعات المتخلفة تشكل فراغًا يغري كل القوى التي تمتلك القدرات على أن تهيمن على هذه المجتمعات وتستفيد من ثرواتها - هذا الاستعمار والاستكبار والرغبة في الهيمنة - والتي هي جوهر الاستعمار - كرست التخلف وكانت شرطًا لاستمراره. فكلما أراد مجتمع من المجتمعات الإسلامية أن ينطلق من عقال التخلف أعادته آليات الاستعمار إلى نقطة الصفر مرة أخرى. فما نشتكي منه حالة تخلف تؤدي حالة الاستعمار إلى ديمومته واستمراره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت