إذا تبين لنا هذا النموذج البسيط الذي نتحدث عنه، وقررنا أن الكتلة البشرية الحالية الموجودة من ناحية الكم ليست بالقليلة. سنجد أن الكتلة النوعية التي تحول الكتلة الكمية إلى قوة حقيقة فاعلة، وتستثمرها، هي المُعوَّل عليها - حقيقةً - في إحداث التغيير بعد الله سبحانه وتعالى واستمداد عونه.
الفهم.. الفهم
نقول أن تيار الصحوة الإسلامية قد استقطب كثيرًا من الناس. ولكنه فرط لعقود مديدة في اكتساب الكم النوعي الذي يحسم الرهان في نهاية المطاف. والذي يقوم باستثمار الحدث لصالح اندفاعة جديدة وتقدم جديد للمشروع النهضوي في المجتمعات الإسلامية.
إذًا الإيمان التقليدي - سواء بالإسلام أو بالمشروع النهضوي في المجتمعات الإسلامية ونقصد به هذه العاطفة والإحساس العام اتجاه أن هذا هو الصواب - من غير وعي لمستلزمات تحقيق النتائج لهذا الصواب أمر في غاية الخطورة يهدد كل هذه الجهود العملاقة بالخطر.
وبذلك يكون أول واجباتنا أن نُكوِّن داخل هذا البناء الضخم كمًا أكبر من العقول قبل أن نعتني بالكم الكبير من الأرقام والزيادة الكمية - إن صح التعبير - البشرية.
يقول الله تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء" (1) ، فالعلماء هم أعلم وأكثر فهمًا ووعيًا لفضل الله ونعمته؛ لاطلاعهم على دقائق الأمور وآثار الكون من خلال البحث والنظر.
وهكذا نستطيع أن نقول أن قضية العلم مقدمة على القول والعمل. وقدمنا سابقًا أن العلم
لا يقصد به فقط العلم بالكتاب والسنة؛ إنما العلم بما أشار إليه الكتاب والسنة من هذا الكون الواسع الفسيح، في العلوم التطبيقية، وفي التجربة الإنسانية عامة،"قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين" (2) . هذا النظر الواسع في الكون، هذا البحث الاستنطاقي للتجربة البشرية مطلوب بشدة في هذه المرحلة التاريخية من حياة الأمة ومن تقدمها.
(1) سورة فاطر: 28
(2) سورة الأنعام: 11