ثم في السورة شنع الله تعالى على اليهود والمشركين الذين قدموا العمى على الهدى واختاروا إخفاء الحق وإعلان الباطل فقال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ(91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا.. (92) . وهذه الآيات نزلت في قريش وطائفة من اليهود ، وقد كان كتاب الله ـ التوراة ـ الذي نزل على موسى نورًا وهدى للناس ، يعني أنه يستضاء به في كشف المشكلات ويهتدى به من ظلم الشبهات، لكن أهل الضلال المغضوب عليهم جعلوا من التوراة قراطيس ، أي: قطعًا مكتوبة من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون منها ما يحرفون، ويبدلون ويتأولون ويقولون: هذا من عند الله!!! وقد فضح الله أعمالهم هذه في سورة البقرة فقال: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ(79) .
وبين الله تعالى في الآية أنهم ـ يعني اليهود ـ تعلموا من التوراة ـ الكتاب الأصلي ـ العلوم الشرعية المفيدة والعقيدة الصحيحة، فإذا سألوا من أنزل هذا الكتاب؟ ـ يعني التوراة الذي فيه النور والهدى ـ قل: الله الذي أنزله، فحينئذ يتضح الحق وينجلي مثل الشمس. فإذا ألزموا بهذا الإلزام فاتركهم يخوضوا في الباطل ويلعبوا بما لا فائدة فيه حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.