و أما خامسًا: فالورع في الكتاب و السنة يقول النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث المشهور الذي رواه النعمان ابن بشير رضي الله تعالى عنه ( الحلال بين و الحرام بين و بينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا و إن لكل ملك حمى ألا و إن حمى الله في أرضه محارمه ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب ) و هو حديث مخرج في الصحيحين فالنبي صلى الله عليه و سلم جعل القسمة ثلاثية الأول و هو الحلال البين الذي لا خفاء فيه, و الثاني و هو الحرام البين الذي لا شبهة فيه, و الثالث هو المشتبه الذي يخفى على كثير من الناس فيترددون في حكمه و هذا معرفته و معرفة الموقف منه هو الفقه و لهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ' ليس الفقيه هو الذي يعرف الحلال من الحرام إنما الفقيه هو الذي يعرف خير الخيرين و شر الشرين' الفقيه هو الذي يعرف الأمور التي تدور بين هذا و بين هذا فلها شابهة من الحلال و لها شابهة من الحرام فمن كان حاذقًا في الفقه فإنه يوفق بإذن الله عز و جل إلى الوقوف على أحكامها و حقيقة الورع إنما هو مجانبة القسم الذي هو من قبيل الحرام و مجانبة القسم الآخر الذي هو من قبيل المشتبهات و هذا المشتبه كالسياج على الحرام و الحرام من وراءه و البعد عن هذا المشتبه طريق للخلاص من الحرام و الوقوع في هذه المشتبهات و الخوض فيها و اقتحامها سبب أكيد في الوقوع في المحرم كما قال النبي صلى الله عليه و سلم كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه أو يوشك أن يواقعه و قد أوضحت هذا المعنى إحدى روايات البخاري لهذا الحديث و فيها ' فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك و من اجترأ على ما يُشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان و المعاصي حمى الله و من يُراتع حول